ابن جبير

230

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

ذكر مدينة حماة حماها الله تعالى مدينة شهيرة في البلدان قديمة الصحبة للزمان غير فسيحة الفناء ولا رائقة البناء أقطارها مضمومة وديارها مركومة لا يهش البصر إليها عند الإطلال عليها كأنها تكن بهجتها وتخفيها فتجد حسنها كامنا فيها حتى إذا جست خلالها ونقرت ظلالها أبصرت بشرقيها نهرا كبيرا تتسع في تدفقه أساليبه وتتناظر بشطيه دواليبه قد انتظمت طرتيه بساتين تتهدل أغصانها عليه وتلوح خضرتها عذارا بصفحتيه ينسرب في ظلالها وينساب على سمت اعتدالها وبأحد شطيه المتصل بربضها مظاهر منتظمة بيوتا عدة يخترق الماء من أحد دواليبه جميع نواحيها فلا يجد المغتسل اثر أذى فيها وعلى شطه الثاني المتصل بالمدينة السفلى جامع صغير قد فتح جداره الشرقي عليه طيقانا تجتلى منها منظرا ترتاح النفس اليه وتتقيد الابصار لديه وبإزاء ممر النهر بجوفي المدينة قلعة حلبية الوضع وإن كانت دونها في الحصانة والمنع سرب لها من هذا النهر ماء ينبع فيها فهي لا تخاف الصدى ولا تتهيب مرام العدا وموضوع هذه المدينة في وهدة من الأرض عريضة مستطيلة كأنها خندق عميق يرتفع لها جانبان أحدهما كالجبل المطل والمدينة العليا متصلة بصفح ذلك الجانب الجبلي والقلعة في الجانب الآخر في ربوة منقطعة كبير مستديرة قد تولى نحتها الزمان وحصل لها بحصانتها من كل عدو الأمان والمدينة السفلى تحت القلعة متصلة بالجانب الذي يصب النهر عليه وكلتا المدينتين صغيرتان وسور المدينة العليا يمتد على رأس جانبها العلى الجبلي ويطيف بها