الشهيد الثاني
530
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )
فإنّ الكرة إذا دارت دورة كاملة وفرضنا عليها نقطاً مرسومة ، فإنّ النقط ترسم على سطحها دوائر متوازية إلا نقطتين هُما قطباها ، فإنّهما لا تتحرّكان . وسُمّي الكوكب المذكور قطباً لمجاورته للقطب الحقيقي ، فينتفع به فيما يحتاج فيه إليه لقلَّة التباعد بينهما ، ثمّ اشتهر إطلاقه على الكوكب حتى لا يكاد يعرف غيره . وإنّما اشتُرط في الجَدْي الاستقامةُ لكونه في تلك الحال على دائرة نصف النهار ، فإنّها تمرّ بقطبي العالم ، وتقطع الأُفق على نقطتين هُما نقطتا الجنوب والشمال ( 1 ) ، فإذا كان القطب مسامتاً لعضو من المصلَّي ، كان الجَدْي على تلك الحال مسامتاً له أيضاً لكونهما على دائرة واحدة ، بخلاف ما لو كان منحرفاً نحو المشرق أو المغرب . ( و ) من علامات قبلة العراق أيضاً جَعْلُ ( عين الشمس عند الزوال على ) طرف ( الحاجب الأيمن ) ممّا يلي الأنف إذا استخرج الوقت بغير استقبال قبلة العراق ، كما سلف . وهذه العلامات الثلاث مشهورة في كتب الأصحاب بهذا الإطلاق ، وقد ورد النصّ عن أئمّة الهدى « بالجدي منها فيما رواه محمّد بن مسلم وهو كوفيّ عن أحدهما عليهما السلام حين سأله عن القبلة ، فقال : « ضع الجدْي في قفاك وصلّ » ( 2 ) . وقال الصدوق في الفقيه : قال رجل للصادق : إنّي أكون في السفر ولا أهتدي للقبلة ، فقال له : « أتعرف الكوكب الذي يقال له : الجَدْي ؟ » قال : نعم ، قال : « اجعله على يمينك ، فإذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين الكتفين » ( 3 ) . وطريق الجمع بين الروايتين حمل الأولى على وضعه خلف المنكب الأيمن لأنّه من جملة القفا لوجوب حمل المطلق على المقيّد . واعلم أنّ في الجمع بين هذه العلامات الثلاث إشكالًا ، وفي العمل بإطلاقها بحثاً . وتحرير المحلّ أنّ العلامة الأُولى إذا أُخذت بالمعنى المشهور وهو حمل المشرق والمغرب على الاعتدالين يوجب جَعْلهما على يمين المصلَّي ويساره كون قبلته نقطة الجنوب ، ونقطة الشمال خلف ظهره بين الكتفين على الاعتدال لما علم من كون هذه الجهات الأربع
--> ( 1 ) في « ق ، م » : الشمال والجنوب . ( 2 ) التهذيب 2 : 45 / 143 . ( 3 ) الفقيه 1 : 181 / 860 .