أبي الفرج الأصفهاني
405
الأغاني
أما ترثي لمكتئب يحبّك لحمه ودمه يغار على قميصك حين تلبسه ويتّهمه من شعره في الشوق : وذكر عليّ بن الحسين أيضا أن محمد بن السريّ حدّثه أنه أطال الغيبة عن بغداد وقد وسوس خالد ، فمرّ به في الرّصافة والصبيان يصيحون به : يا غلام الشريطيّ يا خالد البارد ، ويرجع إليهم فيضربهم ويزيد ويرميهم ، قال : فقلت له : كيف أنت يا أبا الهيثم ؟ / قال : كما ترى ! فقلت له : فمن تعاشر اليوم ؟ قال : من أحذره ، فعجبت من جوابه مع اختلاله ، فقلت له : ما قلت بعدي من الشعر ؟ قال : ما حفظه الناس وأنسيته ، وعلى ذلك قولي : كبد شفها غليل التصابي بين عتب وسخطة وعذاب [ 1 ] كلّ يوم تدمي بجرح من الشو ق ونوع مجدّد من عذاب يا سقيم الجفون أسقمت جسمي فاشفني كيف شئت ، لا بك ما بي إن أكن مذنبا فكن حسن العف وأو اجعل سوى الصّدود عقابي ثم قال : يا أبا جعفر ، جننت بعدك ، فقلت : ما جعلك اللَّه مجنونا ؛ وهذا كلامك لي ونظمك . حدّثني محمد بن الطلاس أبو الطيب ، قال : حضرت جنازة بعض جيراني ، فلقيت خالدا في المقبرة فقبضت عليه ، وقلت : أنشدني ، فذهب ليهرب مني ، فغمزت على يده غمزة أوجعته ، فقال : خلّ عني أنشدك ، فأرخيت يدي عن يده ، فأنشدني : لم تر عين نظرت أحسن من منظره النور والنّعمة والنّ عمة [ 2 ] في مخبره لا تصل الألسن بال وصف إلى أكثره كيف بمن تنتسب الش مس إلى جوهره ! ينشد شعرا لأبي تمام ، ثم ينشد شعرا عارضه به : حدّثني عمّي - رحمه اللَّه - قال : مرّ بنا خالد الكاتب ها هنا والصبيان خلفه يصيحون به ، فجلس إليّ فقال : فرّق هؤلاء عني ، فقلت ، وألحّت عليه جارية تصيح : يا خالد يا بارد ، فقال لها : / مرّي يا منتنة الكسّ ، ويا من كسها دس [ 3 ] . فقلت له : يا أبا الهيثم ، أيّ شيء معنى « دس » ها هنا ؟ قال : تشتهي الأير الصغير والكبير والوسط ، ولا تكره منها شيئا وأقبل الصبيان يصيحون بتلك الجارية بمثل ما قال لها خالد ، وهي ترميهم وتهرب منهم حتى غابوا معها عنا ، فأقبل عليّ خالد متمثلا فقال :
--> [ 1 ] في « المختار » ، هد : « وعتاب » . [ 2 ] النعمة بفتح النون : اسم من التنعم ، وهو : الترفه . [ 3 ] في « المختار » : « رس » ، ولم أعثر على التفسير الَّذي ذكره خالد اللفظين فيما رجعت إليه من « المعاجم » ، والعبارة مثبتة في النسخ على نظام الشعر ، وليست منه ، ولا لها وزن من أوزانه المعروفة ، وهي في « المختار » على هيئة النثر .