أبي الفرج الأصفهاني

334

الأغاني

قال : قلت : إن كنت عند الأمير في هذه الحال فلا حاجة به إلى إفشاء سرّه إليّ ، واستعفيته مرارا فلم يعفني ، فاستحييت من مراجعته ، وقلت : فلير الأمير رأيه . فقال لي : يا ضبّيّ ، قل : واللَّه . قلت : واللَّه ، فأمّرها عليّ غموسا مؤكَّدة بالبيعة والطلاق وكلّ ما يحلف به مسلم . ثم قال : أشعرت أنّ دعبلا مدخول النسب ؟ وأمسك ، فقلت : أعزّ اللَّه الأمير ، أفي هذا أخذت العهود والمواثيق ومغلَّظ الأيمان ؟ قال : إي واللَّه ، فقلت : / ولم ؟ قال : لأني رجل لي في نفسي حاجة ، ودعبل رجل قد حمل نفسه على المهالك ، وحمل جذعه على عنقه ، فليس يجد من يصلبه عليه ، وأخاف إن بلغه أن يقول فيّ / ما يبقى عليّ عاره على الدهر ، وقصاراي إن ظفرت به وأسلمته اليمن - وما أراها تفعل ؛ لأنه اليوم لسانها وشاعرها والذابّ عنها والمحامي لها والمرامي دونها - فأضربه [ 1 ] مائة سوط ، وأثقله حديدا ، وأصيّره في مطبق [ 2 ] باب الشام . وليس في ذلك عوض مما سار فيّ من الهجاء وفي عقبي من بعدي . فقلت : ما أراه يفعل ويقدم عليك . فقال لي : يا عاجز ، أهون عليه مما لم يكن . أتراه أقدم على الرشيد والأمين والمأمون وعلى أبي ولا يقدم عليّ ؟ فقلت : فإذا كان الأمر كذا فقد وفق الأمير فيما أخذه عليّ . قال : وكان دعبل صديقا لي ، فقلت : هذا شيء قد عرفته ، فمن أين ؟ قال الأمير : إنّه مدخول النسب وهو في البيت الرفيع من خزاعة ، لا يتقدمهم غير بني أهبان مكلَّم الذئب . فقال : أسمع أنه كان أيام ترعرع خاملا لا يؤبه له ، وكان ينام هو ومسلم بن الوليد في إزار واحد ، لا يملكان غيره . ومسلم أستاذه وهو غلام أمرد يخدمه ، ودعبل حينئذ لا يقول شعرا يفكر فيه حتى قال : لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى بداية اشتهاره وطلب الرشيد أن يلازمه : وغنّى فيه بعض المغنين وشاع ، فغنّي به بين يدي الرشيد ، إما ابن جامع أو ابن المكي ، فطرب الرشيد ، وسأل عن قائل الشعر ، فقيل له : دعبل بن عليّ ، وهو غلام نشأ من خزاعة . فأمر بإحضار عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه ، فأحضر ذلك ، فدفعه مع مركب من مراكبه إلى خادم من خاصته ، وقال له : اذهب بهذا إلى خزاعة فاسأل عن دعبل بن عليّ ، فإذا دللت عليه فأعطه هذا ، وقل له : ليحضر إن شاء ، وإن لم يجب / ذلك فدعه . وأمر للمغني بجائزة ، فسار الغلام إلى دعبل ، وأعطاه الجائزة ، وأشار عليه بالمسير إليه . فلما دخل عليه وسلَّم أمره بالجلوس فجلس ، واستنشده الشعر فأنشده إياه ، فاستحسنه وأمره بملازمته وأجرى عليه رزقا سنيّا ، فكان أول من حرضه على قول الشعر . يبلغه موت الرشيد فيهجوه : فو اللَّه ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على ما فعله : من العطاء السنيّ ، والغنى بعد الفقر ، والرفعة بعد الخمول بأقبح مكافأة . وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت عليهم السّلام ، وهجا الرشيد : وليس حيّ من الأحياء نعلمه من ذي يمان ومن بكر ومن مضر

--> [ 1 ] كذا في النسخ ويبدو أنها : أن أضربه ؛ لتستقيم العبارة . [ 2 ] المطبق : السجن تحت الأرض .