أبي الفرج الأصفهاني

321

الأغاني

مصر ، فصحبنا رجل يعرف بأحمد بن فلان السراج ، نسي عبد اللَّه بن أبي الشّيص اسم أبيه ، فما زال يحدثنا ويؤانسنا طول طريقنا ، ويتولى خدمتنا كما يتولاها الرفقاء والأتباع . ورأيناه حسن الأدب ، وكان شاعرا ، ولم نعلم ، وكتمنا نفسه ، وقد علم ما قصدنا له فعرضنا عليه أن يقول في المطَّلب قصيدة ، ننحله إياها . فقال : إن شئتم ، وأرانا بذلك سرورا وتقبّلا له ، فعملنا قصيدة ، وقلنا له : تنشدها المطلب فإنك [ 1 ] تنتفع بها . فقال : نعم . ووردنا مصربه ، فدخلنا إلى المطَّلب ، وأوصلنا إليه كتبا كانت معنا ، وأنشدناه . فسرّ بموضعنا ، ووصفنا له أحمد السراج هذا ، وذكرنا له أمره ، فأذن له ، فدخل عليه ونحن نظن أنه سينشد القصيدة الَّتي نحلناه إياها ، فلما مثل بين يديه عدل عنها [ 2 ] وأنشده : لم آت مطَّلبا إلَّا بمطَّلب وهمة بلغت بي غاية الرّتب / أفردته برجاء أن تشاركه فيّ الوسائل أو ألقاه في الكتب قال : وأشار إلى كتبي الَّتي أوصلتها إليه وهي بين يديه ، فكان ذلك أشدّ من كلّ شيء مر بي منه [ 3 ] عليّ ، ثم أنشده : / رحلت عنسى [ 4 ] إلى البيت الحرام على ما كان من وصب فيها ومن نصب ألقى بها وبوجهي كلّ هاجرة تكاد تقدح بين الجلد والعصب [ 5 ] حتى إذا ما قضت نسكي ثنيت لها عطف الزّمام فأمّت سيد العرب فيمّمتك وقد ذابت مفاصلها من طول ما تعب لاقت ومن نقب [ 6 ] إني استجرت بإستارين [ 7 ] مستلما ركنين : مطَّلبا والبيت ذا الحجب فذاك للآجل المأمول ألمسه وأنت للعاجل المرجوّ والطلب هذا ثنائي وهذي مصر سانحة وأنت أنت وقد ناديت من كثب قال : فصاح مطَّلب : لبيك لبيك : ثم قام إليه فأخذ بيده ، وأجلسه معه ، وقال : يا غلمان ، البدر ، فأحضرت ، ثم قال : الخلع ، فنشرت ، ثم قال : الدواب ، فقيدت ، فأمر له من ذلك بما ملأ عينه وأعيننا وصدورنا وحسدناه عليه ، وكان حسدنا له بما اتفق له من القبول وجودة الشعر ، وغيظنا بكتمه إيانا نفسعه واحتياله علينا أكثر وأعظم ، فخرج بما أمر له به ، وخرجنا صفرا . يوليه المطلب أسوان : فمكثنا أياما ، ثم ولَّي دعبل بن عليّ أسوان ، وكان دعبل قد هجا المطلب غيظا منه ، فقال :

--> [ 1 ] س ، ب : « وإنك » . [ 2 ] كذا في مد . م ، أ : « فلما مثل بين يديه أنشده » . س ، ب : « عدل عنه » ، تحريف . [ 3 ] في م ، أ : « فكان ذلك أشد شيء علي مر بي منه » . [ 4 ] كذا في م ، أ . والعنس : الناقة الصلبة . وفي س ، ب : « عيسى » . [ 5 ] هذا البيت ساقط في م ، أ . [ 6 ] نقب : حفا . [ 7 ] إستارين : مثنى إستار ، وهو من العدد : أربعة .