أبي الفرج الأصفهاني
317
الأغاني
خرجت إلى الجبل هاربا من المعتصم ، فكنت أسير في بعض طريقي والمكاري يسوق بي بغلا تحتي ، وقد أتعبني تعبا شديدا ، فتغنّى المكاري في قولي : لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى فقلت له ، وأنا أريد أن أتقرّب إليه وأكفّ ما يستعمله من الحثّ للبغل لئلَّا يتعبني : تعرف لمن هذا الشعر يا فتى ؟ فقال : لمن ناك أمّه وغرم درهمين ، فما أدري أيّ أموره أعجب : من هذا الجواب أم من قلة العرم على عظم الجناية ! تغنت بشعره جارية : / حدّثني عمي قال : حدّثني أحمد بن الطيب السرخسيّ قال : حضرت مجلس محمد بن عليّ بن طاهر وحضرته مغنّية يقال لها : شنين مشهورة ، فغنّت : لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى ثم غنّت بعده : لقد عجبت سلمى وذاك عجيب فقلت لها : ما أكثر تعجب سلمى هذه ! فعلمت أني أعبث بها لأسمع جوابها ، فقالت متمثلة غير متوقفة ولا متفكرة : فهلك الفتى ألا يراح [ 1 ] إلى ندى وألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا فعجبت واللَّه من جوابها وحدّته وسرعته ، وقلت لمن حضر : واللَّه لو أجاب الجاحظ هذا الجواب لكان كثيرا منه مستظرفا . نسبة هذا الصوت صوت لقد عجبت سلمى وذاك عجيب رأت بي شيبا عجّلته خطوب وما شيّبتني كبرة غير أنني بدهر به رأس الفطيم يشيب الغناء ليحيى المكيّ ، ثقيل أول بالوسطى من كتاب أبيه أحمد . صديق له يصنع كل غناء بشعره : حدّثني جعفر بن قدامة قال : حدّثني محمد المرتجل بن أحمد بن يحيى المكيّ قال : كان أبي صديقا لدعبل ، كثير العشرة له ، حافظا لغيبه ، وكلّ شعر يغنّى فيه لدعبل / فهو من صنعة أبي ، وغناني من صنعة أبيه في شعر دعبل ، والطريقة فيه خفيف ثقيل في مجرى البنصر :
--> [ 1 ] يرا : يرتاح .