أبي الفرج الأصفهاني
110
الأغاني
رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : لا تشدّ الرّحال إلى مسجد لرجاء الثواب إلا إلى المسجد الحرام ومسجدي / بيثرب ، / ولا يبرّ امرؤ قسم مستحلفه إلا أن يستحلفه بحق اللَّه وحق رسوله ، ثم قال للسودان في تلك الحال [ 1 ] : أوقروا له بعيره تمرا ، قال : ولما أخذ السودان في حشو الغرائر قلت : إن السودان أهل طرب ، وإن أطربتهم أجادوا حشو غرائري ، فقلت : يا بن الفاروق ، أتأذن لي في الغناء فأغنّيك ؟ فقال لي : أنت وذلك [ 2 ] ، فاندفعت في النّصب [ 3 ] ، فقال لي : هذا الغناء الَّذي لم نزل نعرفه . ثم غنيته صوتا آخر لطويس المغنّي وهو : خليليّ ما أخفي من الحب ناطق ودمعي بما قلت الغداة شهيد [ 4 ] فقال لي عبد اللَّه : يا هناه ، لقد حدث في هذا المعنى ما لم نكن نعرفه ، قال : ثم غنّيته لابن سريج : يا عين جودي بالدموع السّفاح وابكي على قتلى قريش البطاح فقال : يا أشعب ، ويحك ، هذا يحيق الفؤاد - أراد : يحرق الفؤاد ، لأنه كان ألثغ لا يبين بالراء ولا باللام . قال أشعب : وكان بعد ذلك لا يرائي إلا استعادني هذا الصوت . من نوادره أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء ، قال : حدّثنا الزّبير بن بكَّار ، قال : حدّثني عمي ، قال : لقي أشعب صديق لأبيه فقال له : ويحك يا أشعب ، كان أبوك ألحى وأنت أنطَّ [ 5 ] فإلى من خرجت ؟ قال : إلى أمّي . من حيله أخبرني الحسن بن عليّ ، قال : أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة ، قال : حدثنا مصعب بن عبد اللَّه ، عن مصعب بن عثمان ، قال : لقي أشعب سالم بن عبد اللَّه بن عمر فقال : يا أشعب ، هل لك في هريس قد أعدّ لنا ؟ قال : نعم ، بأبي أنت وأمي . قال : فصر إليّ ، فمضى إلى منزله ، فقالت له امرأته : قد / وجّه إليك عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان يدعوك . قال : ويحك ، إن لسالم بن عبد اللَّه هريسة قد دعاني إليها ، وعبد اللَّه بن عمرو في يدي متى شئت ، وسالم إنما دعوته للناس فلتة ، وليس لي بدّ من المضيّ إليه . قالت : إذا يغضب عبد اللَّه ، قال : آكل عنده ، ثم أصير إلى عبد اللَّه . فجاء إلى سالم وجعل يأكل أكل متعالل فقال له : كل يا أشعب وابعث ما فضل عنك إلى منزلك ، قال : ذاك أردت بأبي أنت وأمّي ، فقال : يا غلام ، احمل هذا إلى منزله ، فحمله ومضى معه فجاء به امرأته فقالت له : ثكلتك أمّك ، قد حلف عبد اللَّه أن لا يكلَّمك شهرا ، قال : دعيني وإياه ، هاتي شيئا من زعفران ، فأعطته ودخل الحمّام يمسح على وجهه ويديه [ 6 ] وجلس في الحمام حتى صفّره ، ثم خرج متكئا على عصا يرعد ، حتى أتى دار عبد اللَّه بن عمرو ،
--> [ 1 ] ب : « ثم قال للسودان في ذلك المال » . [ 2 ] ف : « أنت ورأيك » . [ 3 ] النصب : نوع من الغناء . [ 4 ] ب : « باطل » بدل « ناطق » . و « شهير » بدل « شهيد » . [ 5 ] الأنط : الخفيف شعر اللحية أو الحاجبين . [ 6 ] ف : « وبدنه » .