أبي الفرج الأصفهاني

111

الأغاني

فلما رآه حاجبه قال : ويحك ، بلغت بك العلَّة ما أرى ؟ ودخل وأعلم صاحبه فأذن له ، فلما دخل عليه إذا سالم بن عبد اللَّه عنده ، فجعل يزيد في الرّعدة ويقارب الخطو ، فجلس وما يقدر أن يستقلّ ، فقال عبد اللَّه : ظلمناك يا أشعب في غضبنا عليك ، فقال له سالم : ما لك ويلك ! ألم تكن عندي آنفا وأكلت هريسة ؟ فقال له : وأيّ أكل ترى بي ؟ قال : ويلك ! ألم أقل لك كيت وكيت وتقل لي كيت وكيت ؟ قال له : شبّه لك ، قال : لا حول ولا قوة إلا باللَّه ، واللَّه إني لأظنّ الشيطان يتشبّه بك . ويلك ! أجادّ أنت ؟ قال : عليّ وعليّ إن كنت خرجت منذ شهر [ 1 ] . فقال له عبد اللَّه : اعزب ويحك أتبهته ، لا أمّ لك ! قال : ما قلت إلا حقّا ، قال : بحياتي اصدقني وأنت آمن من غضبي ، قال : لا وحياتك لقد صدق . ثم حدّثه بالقصة فضحك حتى استلقى على قفاه . ابنه يذكر بعض طرائف أبيه [ 2 ] أخبرني رضوان بن أحمد بن يوسف بن إبراهيم ، عن إبراهيم بن المهديّ : أنّ الرشيد لمّا ولَّاه دمشق بعث إليه عبد اللَّه بن أشعب ، وكان يقدم عليه من الحجاز إذا أراد أن يطرب . / قال إبراهيم : وكان يحدّثني من حديث أبيه بالطرائف : عادلته [ 3 ] يوما وأنا خارج من دمشق في قبّة على بغل لألهو بحديثه ، فأصابنا في الطريق برد شديد فدعوت بدوّاج سمّور [ 4 ] لألبسه ، فأتيت به فلما لبسته أقبلت على ابن أشعب فقلت : حدّثني بشيء من طمع أبيك . فقال لي : ما لك ولأبي ، ها أنا إذا دعوت بالدّوّاج فما شككت واللَّه في أنك إنما جئت به لي ، فضحكت من قوله ، ودعوت بغيره فلبسته وأعطيته إياه ، ثم قلت له : ألأبيك ولد غيرك ؟ فقال : كثير ، فقلت : عشرة ؟ قال : أكثر ، قلت : فخمسون ؟ قال : أكثر كثير ، قلت : مائة ؟ قال : دع المئين وخذ الألوف ، فقلت : ويلك ! أيّ شيء تقوله ؟ أشعب أبوك ليس بينك وبينه أب ، فكيف يكون له ألوف من الولد ؟ فضحك ثم قال : لي في هذا خبر ظريف ، فقلت له : حدّثني به ، فقال : كان أبي منقطعا إلى سكينة بنت الحسين ، وكانت متزوجة بزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان وكانت محبّة له ، فكان لا يستقر معها ، تقول له : أريد الحج فيخرج معها ، فإذا أفضوا إلى مكة تقول : أريد الرجوع إلى المدينة ، فإذا عاد إلى المدينة ، قالت : أريد العمرة ، فهو معها في سفر لا ينقضي . قال عبد اللَّه : فحدّثني أبي قال : كانت قد حلَّفته بما لا كفّارة له ألا يتزوج عليها ولا يتسرّى ولا يلمّ بنسائه وجواريه إلا بإذنها ، وحجّ الخليفة في سنة من السنين فقال لها : قد حج الخليفة ولا بدّ لي من لقائه ، قالت : فاحلف بأنك لا تدخل الطائف ، ولا تلمّ بجواريك على وجه ولا سبب ، فحلف لها بما رضيت به من الأيمان على ذلك ، ثم قالت له : احلف بالطلاق ، فقال : لا أفعل ، ولكن ابعثي معي بثقتك ، فدعتني وأعطتني ثلاثين دينارا وقالت لي : اخرج معه ، وحلَّفتني / بطلاق بنت وردان زوجتي ألا أطلق له الخروج إلى الطائف بوجه ولا سبب ، فحلفت لها بما أثلج صدرها ، فأذنت له فخرج وخرجت معه . فلما حاذينا الطائف قال لي : يا أشعب ، أنت تعرفني وتعرف صنائعي عندك ، وهذه ثلاثمائة دينار ،

--> [ 1 ] ف : « إن كنت رأيتك منذ شهر » . [ 2 ] سقط هذا الخبر من ب ، وأثبتناه من ف ، ما ، مد . [ 3 ] عادله : ركب معه . [ 4 ] الدواج : اللحاف الَّذي يلبس . والسمور : حيوان بري يتخذ من جلده فراء ثمينة للينها وخفتها وإدفائها .