أبي الفرج الأصفهاني
109
الأغاني
وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها ، ثم أرسل وجهه وقال له : افعل هكذا وطوّل وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره ، وصار كأنه وجه الناظر في سيفه ، ثم نزع ثيابه وتحادب فصار في ظهره حدبة كسنام البعير ، وصار طوله مقدار شبر أو أكثر ، ثم نزع سراويله وجعل يمد جلد خصييه حتى حكّ بهما الأرض ، ثم خلَّاهما من يده ومشى وجعل يخنس [ 1 ] وهما يخطَّان الأرض ، ثم قام فتطاول وتمدّد وتمطَّى حتى صار أطول ما يكون من الرجال ، فضحك واللَّه القوم حتى أغمي عليهم وقطع الغاضريّ فما تكلم بنادرة ، ولا زاد على أن يقول : يا أبا العلاء لا أعاود ما تكره ، إنما أنا تلميذك وخرّيجك ، ثم انصرف أشعب وتركه . من أخلاق أمه أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ ، قال : حدثنا يوسف بن إبراهيم ، عن إبراهيم بن المهديّ ، عن عبيدة بن أشعب ، عن أبيه : أنه كان مولده في سنة تسع من الهجرة ، وأن أباه كان من مماليك عثمان ، وأنّ أمّه كانت تنقل كلام أزواج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعضهن إلى بعض ، فتلقي بينهن الشّرّ ، فتأذّى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بذلك ، / فدعا اللَّه عز وجل عليها فأماتها ، وعمّر ابنها أشعب حتى هلك في أيام المهديّ . كان من المعتزلة وكان في أشعب خلال ، منها أنه كان أطيب أهل زمانه عشرة وأكثرهم نادرة ، ومنها : أنه كان أحسن الناس أداء لغناء سمعه ، ومنها : أنه أقوم أهل دهره بحجج المعتزلة وكان امرأ منهم . أشعب وعبد اللَّه بن عمر قال إبراهيم بن المهديّ فحدّثني عبيدة بن أشعب ، عن أبيه ، قال : بلغني أن عبد اللَّه بن عمر كان في مال له [ 2 ] يتصدق بثمرته ، فركبت ناضحا [ 3 ] ووافيته في ماله ، فقلت : يا بن أمير المؤمنين ويا بن الفاروق أوقر لي بعيري هذا تمرا ، فقال لي : أمن المهاجرين أنت ؟ قلت : اللهمّ لا ، قال : فمن الأنصار أنت ؟ فقلت : اللهم لا ، قال : أفمن التابعين بإحسان ؟ فقلت : أرجو ، فقال : إلى أن يحقّق رجاؤك ، قال : أفمن أبناء السبيل أنت ؟ قلت : لا ، قال : فعلام أوقر لك بعيرك تمرا ؟ قلت : لأني سائل ، وقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « إن أتاك سائل على فرس فلا تردّه » ، فقال : لو شئنا أن نقول لك : إنه قال : لو أتاك على فرس ، ولم يقل أتاك على ناضح بعير [ 4 ] لقلنا ، ولكنّي أمسك عن ذلك لاستغنائي عنه ؛ لأني قلت لأبي عمر بن الخطاب : إذا أتاني سائل على فرس يسألني أعطيته ؟ فقال : إني سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما سألتني عنه ، فقال لي : نعم إذا لم تصب راجلا ونحن أيها الرّجل نصيب رجّالة فعلام أعطيك وأنت على بعير ؟ فقلت له : بحق أبيك الفاروق ، وبحق اللَّه عز وجل ، وبحق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لما أوقرته لي تمرا ، فقال لي عبد اللَّه : أنا موقره لك تمرا ، ووحق اللَّه ووحق رسوله لئن عاودت استحلافي لا أبررت لك قسمك ، ولو أنك اقتصرت على استحلافي بحق أبي عليّ في تمرة أعطيكها لما أنفدت قسمك ، لأني سمعت أبي يقول : إن
--> [ 1 ] خنس : تخلف وتوارى . [ 2 ] ف : « بلغني مكان عبد اللَّه بن عمر في مال له » . [ 3 ] ف : « أتاك على بعير » . [ 4 ] الناضح : البعير يتسقى عليه .