أبي الفرج الأصفهاني
33
الأغاني
أبدا . قال أشعب : فديتك هي مولاتي ولا بدّ لي منها ، ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنّيها ؛ فيكون ذلك سببا لرضاها عني ؟ قال ابن سريج : كلَّا واللَّه لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته . قال أشعب : قد قطعت أملي ورفعت رزقي ، وتركتني حيران بالمدينة ، لا يقبلني أحد وهي ساخطة عليّ ، فاللَّه اللَّه فيّ ، وأنا أنشدك إلَّا تحمّلت هذا الإثم فيّ ، فأبى عليه . حيلة أشعب لإرغامه فلما رأى أشعب أنّ عزم ابن سريج قد تمّ على الامتناع قال في نفسه : لا حيلة لي ، وهذا خارج ، وإن خرج هلكت ، فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها ، ونبّه الجيران من رقادهم ، وأقام الناس من فرشهم ، ثم سكت ، فلم يدر الناس ما القصّة عند خفوت الصّوت بعد أن قد راعهم . فقال له ابن سريج : ويلك ! ما هذا ؟ قال : لئن لم تصر معي إليها / لأصرخنّ أخرى لا يبقى بالمدينة أحد إلَّا صار بالباب ، ثم لأفتحنّه ولأرينّهم ما بي ، ولأعلمنّهم أنك أردت تفعل كذا وكذا بفلان - يعني غلاما كان ابن سريج مشهورا به - فمنعتك ، وخلَّصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى ؛ ففعلت بي هذا غيظان وتأسّفا ، وأنك إنما أظهرت النّسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه ، وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه . فقال ابن سريج : اغرب ، أخزاك اللَّه . قال أشعب : واللَّه الذي لا إله إلا هو ، وإلا فما أملك صدقة [ 1 ] ، وامرأته طالق [ 2 ] ثلاثا ، وهو نحير [ 3 ] في مقام إبراهيم ، والكعبة ، وبيت النار ، والقبر قبر أبي رغال [ 4 ] إن أنت / لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلنّ . قبوله الذهاب إلى منزل سكينة فلما رأى ابن سريج الجدّ منه قال لصاحبه : ويحك ! أما ترى ما وقعنا فيه ؟ ! وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكا ؛ فقال : لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث . وتذمّم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب : اخرج من منزل الرجل . فقال : رجلي مع رجلك ، فخرجا . / فلما صارا في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب : امض عنّي . قال : واللَّه لئن لم تفعل ما قلت لأصيحنّ الساعة حتى يجتمع الناس ، ولأقولنّ : إنك أخذت مني سوارا من ذهب لسكينة على أن تجيئها فتغنّيها سرّا ، وإنك كابرتني عليه وجحدتني ، وفعلت بي هذا الفعل . فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه . فقال : أمضي ، لا بارك اللَّه فيك . فمضى معه .
--> [ 1 ] في أ : « أصدقه » . [ 2 ] في أ : « وامرأته الطلاق ثلاثا » . [ 3 ] نحير ، أي مذبوح ؛ والكلمة محرفة في الأصول . [ 4 ] في القاموس : رغال ، ككتاب وفي سنن أبي داود ، ودلائل النبوة وغيرهما عن أبن عمر ، سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم حين خرجنا إلى الطائف ، فمررنا بقبر ، فقال : هذا قبر أبي رغال ، وهو من ثقيف ، وكان من ثمود ، وكان بهذا الحرم يدفع عنه ، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان ، فدفن فيه . وقول الجوهري : « كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة فمات في الطريق ، غير جيد . وكذا قول ابن سيده : » كان عبدا لشعيب ، وكان عشارا جائرا « . ( رغل ) .