أبي الفرج الأصفهاني
34
الأغاني
استعفاؤه وإباء سكينة فلمّا صار إلى باب سكينة قرع الباب ، فقيل : من هذا ؟ فقال : أشعب قد جاء بابن سريج ، ففتح الباب لهما ، ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة ، فجلسا ساعة ، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة ، فقالت : يا عبيد ، ما هذا الجفاء ؟ قال : قد علمت بأبي أنت ما كان مني . قالت : أجل ، فتحدّثا ساعة ، وقصّ عليها ما صنع به أشعب ، فضحكت ، وقالت : لقد أذهب ما كان في قلبي عليه ، وأمرت لأشعب بعشرين دينارا وكسوة . ثم قال لها ابن سريج : أتأذنين بأبي أنت ؟ قالت : وأين ؟ قال : المنزل ، قالت : برئت من جدّي إن برحت داري ثلاثا ، وبرئت من جدّي إن أنت لم تغنّ إن خرجت من داري شهرا ، وبرئت من جدّي إن أقمت في داري شهرا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا ، وبرئت من جدّي إن حنثت في يميني أو شفّعت فيك أحدا . فقال عبيد : واسخنة عيناه ! واذهاب دنياه ! وا فضيحتاه ! ثم اندفع يغنّي : أستعين الذي بكفّيه نفعي ورجائي على التي قتلتني دملج سكينة في يده الصوت المذكور آنفا . فقالت له سكينة : فهل عندك يا عبيد من صبر ؟ ثم أخرجت دملجا [ 1 ] من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا ، فرمت / به إليه ، ثم قالت : أقسمت عليك لما أدخلته في يدك ، ففعل ذلك . استدعاء عزة الميلاء ثم قالت لأشعب : اذهب إلى عزّة [ 2 ] فاقرئها مني السلام ، وأعلمها أنّ عبيدا عندنا ، فلتأتنا متفضّلة بالزيارة . فأتاها أشعب فأعلمها ، فأسرعت المجيء ، فتحدّثوا باقي ليلتهم . ثم أمرت عبيدا وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها . مجلس غناء فلما أصبحت هيّىء لهم غداؤهم ، وأذنت لابن سريج فدخل فتغدّى قريبا منها مع أشعب ومواليها ، وقعدت هي مع عزّة وخاصّة جواريها ، فلما فرغوا من الغداء قالت : يا عزّ ، إن رأيت أن تغنّينا فافعلي . قالت : إي وعيشك . فتغنّت لحنها في شعر عنترة العبسيّ [ 3 ] : حيّيت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم إن كنت أزمعت الفراق فإنما زمّت [ 4 ] ركابكم بليل مظلم فقال ابن سريج : أحسنت واللَّه يا عزّة ! وأخرجت سكينة الدّملج الآخر من يدها فرمته إلى عزّة ، وقالت : صيّري هذا في يدك ، ففعلت . ثم قالت لعبيد : هات غنّنا . فقال : حسبك ما سمعت البارحة . فقالت : لا بدّ أن تغنينا في كلّ يوم لحنا . فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على / الامتناع مما تسأله غنّى :
--> [ 1 ] الدملج : السوار يلبس في العضد . [ 2 ] هي عزّة الميلاء . [ 3 ] ديوانه : 129 . [ 4 ] زمت ، زممت البعير : خطسته وعلقت عليه الزمام .