أبي الفرج الأصفهاني

489

الأغاني

آخر النهار قتل النعمان بن جساس ، قتله رجل من أهل اليمن ، كانت أمه من بني حنظلة ، يقال له عبد اللَّه بن كعب ، وهو الذي رماه ، فقال للنعمان حين رماه : خذها وأنا ابن الحنظلية . فقال النعمان : ثكلتك أمك ، رب حنظلية قد غاظتني [ 1 ] . فذهبت مثلا ، وظن أهل اليمن أن بني تميم سيهدّهم قتل النعمان ، فلم يزدهم ذلك إلا جراءة عليهم ، فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل ، فباتوا يحرس بعضهم بعضا ، فلما أصبحوا غدوا على القتال ، فنادى قيس بن عاصم : يال سعد ، ونادى عبد يغوث : يال سعد . قيس بن عاصم يدعو سعد بن زيد مناة بن تميم ، وعبد يغوث يدعو سعد العشيرة . فلما سمع ذلك قيس نادى : يال كعب ، فنادى عبد يغوث : يال كعب . قيس يدعو كعب بن سعد ، وعبد يغوث يدعو كعب بن عمرو [ 2 ] . فلما رأى ذلك قيس من صنيع عبد يغوث ، قال : ما لهم أخزاهم اللَّه ما ندعو بشعار إلا دعوا بمثله . فنادى قيس : يال مقاعس ، يعني بني الحارث بن عمرو بن كعب ، وكان يلقب مقاعسا ، فلما سمع وعلة بن عبد اللَّه الجرميّ الصوت ، وكان صاحب اللواء يومئذ ، طرحه ، وكان أول من انهزم / من اليمن ، وحملت عليهم بنو سعد والرّباب ، فهزموهم أفظع هزيمة ، وجعل رجل منهم يقول : يا قوم لا يفلتكم اليزيدان مخرّما أعني به والدّيّان / وجعل قيس بن عاصم ينادي : يال تميم : لا تقتلوا إلا فارسا ، فإن الرجّالة لكم . وجعل يرتجز ويقول : لما تولَّوا عصبا شوازبا [ 3 ] أقسمت لا أطعن إلَّا راكبا إني وجدت الطعن فيهم صائبا وجعل يأخذ الأسارى ، فإذا أخذ أسيرا قال له : ممن أنت ؟ فيقول : من بني زعبل ، وهو زعبل بن كعب ، أخو الحارث بن كعب ، وهم أنذال ، فكأن الأسارى يريدون بذلك رخص الفداء ، فجعل قيس إذا أخذ أسيرا منهم ، دفعه إلى من يليه من بني تميم ، ويقول : أمسك حتى أصطاد لك زعبلة أخرى ، فذهبت مثلا . فما زالوا في آثارهم يقتلون ويأسرون ، حتى أسر عبد يغوث ، أسره فتى من بني عمير بن عبد شمس . وقتل يومئذ علقمة بن سبّاع [ 4 ] القريعيّ ، وهو فارس هبّود ، وهبّود فرس عمرون الجعيد المراديّ [ وكان علقمة قتل عمرا وأخذ فرسه من تحته ] ، وأسر الأهتم ، واسمه سنان بن سميّ بن خالد بن منقر ، ويومئذ سمّي الأهتم - رئيس كندة البراء بن قيس ، وقتلت التيم الأوبر الحارثيّ ، وآخر من بني الحارث يقال له معاوية ، قتلهما النعمان بن جساس ، وقتل يومئذ من أشرافهم خمسة ، وقتلت بنو ضبّة ضمرة بن لبيد الحماسيّ الكاهن ، قتله قبيصة بن ضرار بن عمرو الضبيّ . وأما عبد يغوث فانطلق به العبشميّ إلى أهله ، وكان العبشميّ أهوج ، فقالت له أمه - ورأت عبد يغوث عظيما جميلا جسيما - : من أنت ؟ قال : / أنا سيد القوم . فضحكت ، وقالت : قبحك اللَّه من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج . فقال عبد يغوث : وتضحك مني شيخة عبشميّة كأن لم ترا قبلي أسيرا يمانيا ثم قال لها : أيتها الحرة ، هل لك إلى خير ؟ قالت : وما ذاك ؟ قال : أعطي ابنك مئة من الإبل وينطلق بي إلى الأهتم ،

--> [ 1 ] « النقائض » : رب ابن حنظلية قد غاظني . [ 2 ] « العقد الفريد » ( 5 : 227 ) : كعب بن مالك . [ 3 ] شوازب : جمع شازب ، وهو الشاحب الضامر . وفي « العقد الفريد » ( 5 : 227 ) : هواربا . [ 4 ] « النقائض » ( 1 : 152 ) : سباح .