أبي الفرج الأصفهاني
335
الأغاني
ولا الذّخر إلَّا كلّ جرداء صلدم وكلّ رقيق الشّفرتين خفيف [ 1 ] فلمّا انصرف يزيد بالظَّفر حجب برأي البرامكة ، وأظهر الرشيد السخط عليه . فقال : وحقّ أمير المؤمنين لأصفّينّ وأشتونّ على فرسي أو أدخل . فارتفع الخبر بذلك فأذن له فدخل . فلمّا رآه أمير المؤمنين ضحك وسرّ وأقبل يصيح : مرحبا بالأعرابيّ ! حتى دخل وأجلس وأكرم وعرف بلاؤه ونقاء صدره . من قصيدة مسلم بن الوليد في يزيد بن مزيد ومدّحه الشعراء بذلك . فكان أحسنهم مدحا مسلم بن الوليد ؛ فقال فيه قصيدته التي أولها : أجررت حبل خليع في الصّبا غزل وشمّرت همم العذّال في عذلي [ 2 ] / هاج البكاء على العين الطَّموح هوى مفرّق بين توديع ومحتمل [ 3 ] كيف السّلوّ لقلب بات مختبلا يهذي بصاحب قلب غير مختبل [ 4 ] وفيها يقول : يفترّ عند افترار الحرب مبتسما إذا تغيّر وجه الفارس البطل [ 5 ] موف على مهج في يوم ذي رهج [ 6 ] كأنّه أجل يسعى إلى أمل ينال بالرّفق ما يعيا الرّجال به كالموت مستعجلا يأتي على مهل لا يرحل النّاس إلَّا نحو حجرته [ 7 ] كالبيت يفضي إليه ملتقى السّبل يقري المنيّة أرواح العداة كما يقري الضّيوف شحوم الكوم والبزل [ 8 ]
--> [ 1 ] الصلدم من الخيل : الشديدة الحافر . ورقيق الشفرتين : السيف . [ 2 ] كذا في ف . وفي « ديوان مسلم بن الوليد » : « في العذل » . وفي سائر الأصول : « عن عذلي » تحريف . تقول العرب : أجررت فلانا رسنه إذا مهلت له في إرادته . وأصله أن تمهل للدابة في الرعي جارة رسنها . فيقول : أجررت حبل خليع في الصبا ، أي حبل من خلع عذاره في الصبا . وغزل : ذي غزل ومجانة . وقوله « وشمرت . . . » أي حين رأوني قد صبوت . والخليع أيضا : من يخلعه قومه لشرّه . فإن ذهب أحد إلى هذا فمعناه رجل قد تبرأ منه قومه . ( عن « شرح ديوان مسلم » ببعض تصرف ) . [ 3 ] في ف : « ومرتحل » . والطموح : المرتفعة في النظر إلى الأحبة وهم سائرون . فيقول : هاج البكاء على العين هوى مفرق بين توديع ومحتمل ، أي مقسم ، بعضه في توديع الأحبة وبعضه في احتمالهم . ( عن « شرح ديوان مسلم » ) . [ 4 ] في ف و « ديوان مسلم » : « راح مختبلا » . ومختبل : مخبول العقل فاسده . والهذيان : الكلام الذي يفضي بصاحبه إلى ما لا يفهم عنه . وإنما يكون ذلك عن علة تفضي بصاحبها إلى الهذيان فيتكلم بما يأتيه دون أن يعرف ما يقول . [ 5 ] افتر فلان ضاحكا : أبدى أسنانه عند الضحك . وافترار الحرب : تكشيرها عن أنيابها ، وهذا كناية عن شدتها . يقول : يبتسم من قلة مبالاته بالحرب إذا تغير وجه الفارس البطل من هول الحرب وشدتها . [ 6 ] في « ديوان مسلم » : « واليوم ذو رهج » . والرهج الغبار . يقول : يوفي على المهج بالقتل في يوم قد ثار نقعه من شدة القتال ؛ فهو يعمل عمل الأجل في الأمل . [ 7 ] كذا في ف والديوان . وفي سائر الأصول : « . . . حول حجرته » يقول : لا يرحل الناس لطلب عطاء إلا نحو بيته ، كالبيت ( يعني بيت اللَّه الحرام مكة ) يفضي إليه ملتقى السبل ، أي عنده ملتقى الطرق كلها . [ 8 ] ف : « الكماة » بدل « العداة » . والكوم من النوق : العظام الأسمنة ، واحدتها كوماء . والبزل : جمع : بزول وهو ما بلغ من الإبل تسع سنين .