أبي الفرج الأصفهاني

27

الأغاني

أصمّ أم يسمع ربّ القبّه يا أوهب الناس لعنس [ 1 ] صلبه ضرّابة بالمشفر الأذبّه [ 2 ] ذات هباب [ 3 ] في يديها جلبة [ 4 ] في لاحب [ 5 ] كأنّه الأطبّه - وفي رواية اليزيدي « في يديها خدبة [ 6 ] » أي طول واضطراب . والأطبّة : جمع طباب [ 7 ] وهو الشّراك يجمع فيه بين الأديمين في الخرز . وقال عمر بن شبّة في خبره : قال / فليح بن سليمان : أخذت هذا الرجز عن ابن دأب - قال فقال : أليس بأبي أمامة ؟ قالوا بلى . قال : فأذنوا له . ودخل فحيّاه وشرب معه . ثم وردت النّعم السّود ، ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعرف مكانه ولا يفتحل أحد بعيرا أسود غير النعمان . فاستأذنه في أن ينشده كلمته على الباء ، فأذن له أن ينشده قصيدته التي يقول فيها : فإنّك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ووردت عليه مائة من الإبل السّود الكلبيّة فيها رعاؤها وبيتها وكلبها ، فقال : شأنّك بها يا أبا أمامة ، فهي لك بما فيها . قال حسّان . فما أصابني حسد في موضع ما أصابني يومئذ ، وما أدري أيّما كنت أحسد له عليه : ألما أسمع من فضل شعره ، أم ما أرى من جزيل عطائه ، فجمعت جراميزي [ 8 ] وركبت إلى بلادي . وقد روى الواقديّ عن محمد بن صالح الخبر فذكر أن حسّان قدم على جبلة بن أبي شمر ، ولعله غلط . أخبرنا به محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني عمّي يوسف قال حدّثني عمّي إسماعيل عن الواقديّ عن محمد بن صالح قال : كان حسّان بن ثابت يقدم على جبلة بن الأيهم سنة ويقيم سنة في أهله . فقال : لو وفدت على الحارث ، فإن له قرابة ورحما بصاحبي ، وهو أبذل الناس لمعروف ، وقد يئس منّي أن أقدم عليه لما يعرف من انقطاعي إلى جبلة . فخرجت في السنة التي كنت أقيم فيها بالمدينة حتى قدمت على الحارث وقد هيّأت مديحا . فقال لي حاجبه وكان لي ناصحا : إنّ الملك قد سرّ يقدومك / عليه ، وهو لا يدعك حتى تذكر جبلة . فإيّاك أن تقع فيه فإنه يختبرك ، فإنّك إن وقعت فيه زهد فيك وإن ذكرت محاسنه ثقل عليه ، فلا تبتدىء بذكره ، فإن سألك عنه فلا تطنب / في الثناء عليه ولا تعبه ، امسح ذكره مسحا وجاوزه . وإنه سوف يدعوك إلى الطعام وهو يثقل عليه أن يؤكل طعامه أو يشرب شرابه ، فلا تضع يدك في شيء حتى يدعوك إليه . فشكرت له ذلك . ثم دعاني فسألني عن البلاد والناس وعن عيشنا في الحجاز وكيف ما بيننا من الحرب ، وكلّ ذلك أخبره ، حتى انتهى إلى ذكر جبلة فقال : كيف تجد جبلة ، فقد انقطعت إليه وتركتنا ؟ فقلت له : إنما جبلة منك وأنت منه ، فلم أجر معه في مدح ولا ذمّ ، وفعلت في الطعام

--> [ 1 ] في ج ، م : « لعيس » . والعنس : الناقة القوية . والعيس من الإبل : التي تضرب إلى الصفرة أو هي البيض مع شقرة يسيرة ، واحدها أعيس والأنثى عيساء . [ 2 ] الأذبة : جمع قلة الذباب . [ 3 ] الهباب ( بالكسر ) : النشاط والسرعة ، يقال : هب يهب ( بالكسر ) هبا وهبوبا وهبابا إذا نشط وأسرع . وفي « الأصول » : « ذات هيات » وهو تصحيف . [ 4 ] كذا في « أ » . وفي « سائر الأصول » : « خلبة » بالخاء المعجمة . [ 5 ] اللاحب : الطريق الواضح . [ 6 ] في « أكثر الأصول » : « جذبة » . والتصويب من « أ ، م » . [ 7 ] طباب : جمع طبابة ( بكسر الطاء ) ومعناها ما ذكره المؤلَّف في تفسير جمعها . [ 8 ] يقال : جمع فلان إليه جراميزه إذا رفع ما انتشر من ثيابه ثم مضى .