أبي الفرج الأصفهاني
323
الأغاني
قسما وما أدلي إليك بحجّة إلَّا التّضرّع من محبّ خاشع ما إن عصيتك والغواة تمدّني أسبابها إلَّا بنيّة طائع حتى إذا علقت حبائل شقوتي بردى على حفر المهالك هائع [ 1 ] لم أدر أنّ لمثل ذنبي غافرا فأقمت أرقب أيّ حتف صارعي ردّ الحياة إليّ بعد ذهابها ورع الإمام القاهر المتواضع أحياك من ولَّاك أطول مدّة ورمى عدوّك في الوتين بقاطع إنّ الذي قسم الفضائل [ 2 ] حازها في صلب آدم للإمام السابع كم من يد لك لا تحدّثني بها نفسي إذا آلت إليّ مطامعي أسديتها عفوا إليّ هنيئة فشكرت مصطنعا لأكرم صانع ورحمت أطفالا كأفراخ القطا وعويل عانسة كقوس النّازع وعفوت عمّن لم يكن عن مثله عفو ولم يشفع إليك بشافع إلَّا العلوّ عن العقوبة بعد ما ظفرت يداك بمستكين خاضع / قال : فبكى المأمون ثم قال : عليّ به ، فأتي به فخلع عليه وحمله وأمر له بخمسة آلاف دينار ، ودعا بالفرّاش فقال له : إذا رأيت عمّي مقبلا فاطرح له تكأة ، فكان ينادمه ولا ينكر عليه شيئا . وروي بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل الهاشميّ فقال فيه : لمّا فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد [ 3 ] الأحول وقال : هو صديقك فخذه إليك . فقال : وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه ! أما إنّي وإن كنت له صديقا لا أمتنع من قول الحقّ فيه . فقال له : قل فإنّك غير متّهم . قال وهو يريد التّسلَّق على العفو عنه [ 4 ] : إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقلّ جرما منه ، وإن عفوت عنه عفوت عمّن لم يعف قبلك عن مثله . فسكت المأمون ساعة ثم تمثّل : فلئن عفوت لأعفون جللا ولئن سطوت لأوهنن عظمي [ 5 ] قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت أصابني سهمي خذه يا أحمد إليك مكرّما ، فانصرف به . ثم كتب إلى المأمون قصيدته العينيّة . فلمّا قرأها رقّ له وأمر بردّه إلى منزله [ 6 ] وردّ ما قبض منه من أمواله وأملاكه . وفي خبر عمّي عن الحسن بن عليل قال : حدّثني محمد بن إسحاق الأشعريّ عن أبي داود : أن المأمون تقدّم إلى محمد بن مزداد لمّا أطلق إبراهيم أن يمنعه داري الخاصّة
--> [ 1 ] الهائع هنا : المنتشر . [ 2 ] في الطبري : « الخلافة » . [ 3 ] هو أحمد بن أبي خالد الأحول أحد رجالات المأمون وموضع ثقته . ( انظر الطبري ق 3 ص 1038 ، 1042 ، 1064 ، 1065 ، 1075 ) . [ 4 ] في الأصول : « قال وهو يريد التسلق على العفو عنه فقال . . . إلخ » وكلمة « فقال » لا موضع لها في الكلام . [ 5 ] هذا شعر الحارث بن وعلة الذهلي . ( انظر « أشعار الحماسة » ص 96 طبع أوروبا ) . [ 6 ] لعله : « منزلته » .