أبي الفرج الأصفهاني
309
الأغاني
نسبه إلى شارية وريّق ، لئلا يقع عليه في طعن أو تقريع ، فقلَّت صنعته في أيدي الناس مع كثرتها لذلك . وكان إذا قيل له فيها شيء قال : إنما أصنع تطرّبا لا تكسّبا ، وأغنّى لنفسي لا للناس فأعمل ما أشتهي . كان ينازع إسحاق ويجادله وجرت بينهما مناظرات في الغناء : وكان حسن صوته يستر عوار ذلك كلَّه . وكان الناس يقولون لم ير في جاهليّة ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهديّ وأخته عليّة . وكان يماظَّ [ 1 ] إسحاق ويجادله ، فلا يقوم له ولا يفي به ، ولا يزال إسحاق يغلبه ويغصّه بريقه ويغصّ منه بما يظهر عليه من السّقطات ويبيّنه من خطئه في وقته [ 2 ] وعجزه عن معرفة الخطأ الغامض إذا مرّ به ؛ وقصوره عن أداء الغناء القديم فيفضحه بذلك . وقد ذكرت قطعة من هذه الأخبار في أخبار إسحاق وأنا أذكرها هنا منها ما لم أذكر هناك . وممّا خالف إبراهيم بن المهديّ ومن قال بقوله على إسحاق فيه : الثّقيلان وخفيفهما ؛ فإنّه سمّى الثقيل الأوّل وخفيفه الثقيل الثاني وخفيفه ، وسمّى الثقيل الثاني وخفيفه الثقيل الأوّل وخفيفه ؛ وجرت بينهما في ذلك مناظرات ومجادلات ومراسلة ومكاتبة ومشافهة ، وحضرهما النّاس ، فلم يكن فيهم من يفي بفصل / ما بينهما والحكم لأحدهما على صاحبه . ووضع لذلك [ 3 ] مكاييل لتعرف بها أقدار الطرائق ، وأمسك كلّ واحد منهما إلى آخر أقداره ، فلم يصحّ شيء يعمل عليه ، إلَّا أن قول إبراهيم بن المهديّ اضمحلّ وبطل وترك ، وعمل الناس على مذهب إسحاق ؛ لأنّه كان أعلم الرجلين وأشهرهما . وأوضح إسحاق أيضا لذلك وجوها فقال : إنّ الثقيل الأوّل يجيء منه قدران ، الثّقيل الأوّل التّامّ ، والقدر الأوسط من الثقيل الأوّل ، وجميعا طريقته واحدة لاتّساعه والتمكَّن منه ، والثقيل الثاني لا يجيء هذا فيه ولا يقاربه . والثّقيل الأوّل يمكن الإدراج في ضربه لثقله ، والثّقيل الثاني لا يندرج لنقصه عن ذلك . ولهما في هذا كلام كثير ومخاطبات قد ذكرتها في أخبارهما ، وشرحت العلل مبسوطة في كتاب ألَّفته في النّغم شرحا ليس هذا موضعه ولا يصلح فيه . وأمّا التّجزئة والقسمة فإنّهما أفنيا أعمارهما في تنازعهما فيهما ، حتى كان يمضي لهما الزمان الطويل لا تنقطع مناظرتهما ومكاتبتهما في قسمة وتجزئة صوت واحد فيه ، وحتى كانا يخرجان إلى كلّ قبيح ، وحتى إنهما ماتا جميعا وبينهما منازعة في هذا الصوت / وقسمته : حيّيا أمّ يعمرا قبل شحط من النّوى لم يفصل بينهما فيها إلى أن افترقا . ولو ذهبت إلى ذكر ذلك وشرح سائر أخبار إبراهيم بن المهديّ وقصصه لمّا ولي الخلافة وغير ذلك من وصفه بفصاحة اللسان ، وحسن البيان ، وجودة الشعر ، ورواية العلم ، والمعرفة بالجدل ، وجزالة الرأي ، والتصرّف في الفقه واللَّغة ، وسائر الآداب الشريفة ، والعلوم النفيسة ، والأدوات الرفيعة ، لأطلت . وإنّما الغرض في هذا الكتاب الأغاني أو ما جرى مجراها ، لا سيما لمن كثرت الروايات والحكايات عنه ؛ فلذلك اقتصرت على ما ذكرته من أخباره دون ما يستحقّه من التفضيل والتّبجيل والثناء الجميل .
--> [ 1 ] يماظ : ينازع . [ 2 ] في الأصول : « وقت » . [ 3 ] لعله : ووضع كلاهما أو كل منهما أو نحو ذلك .