أبي الفرج الأصفهاني

367

الأغاني

الرّطبة واليابسة ، ثم دعت بأنواع من الأشربة . فقال عمر : لا أشرب ، وقال ابن أبي عتيق مثل ذلك ، فقال الأحوص : لكنّني أشرب ؛ وما جزاء جميلة أن يمتنع / من شرابها ! . قال عمر : ليس ذلك كما ظننته . قالت جميلة : من شاء أن يحملني بنفسه ويخلط روحي بروحه شكرناه ، ومن أبى ذلك عذرناه ، ولم يمنعه ذلك عندنا ما يريد من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته . قال ابن أبي عتيق : ما يحسن بنا إلا مساعدتك . قال عمر : لا أكون أخسّكم ، افعلوا ما شئتم تجدوني سميعا مطيعا . فشرب القوم أجمعون . فغنّت صوتا بشعر لعمر : ولقد قالت لجارات لها كالمها يلعبن في حجرتها خذن عنّي الظَّلّ لا يتبعني ومضت تسعى إلى قبّتها لم تعانق [ 1 ] رجلا فيما مضى طفلة غيداء في حلَّتها لم يطش قطَّ لها سهم ومن ترمه لا ينج من رميتها - لم يذكر طريقة لحنها في هذا الصوت . وذكر الهشاميّ أنّ فيه لابن المكَّيّ رملا بالبنصر . وذكر عليّ بن يحيى أنّ فيه لابن سريج رملا بالوسطى - فصاح عمر : ويلاه ! ويلاه ! ثلاثا ثم عمد إلى جيب قميصه فشقّه إلى أسفله فصار قباء ، ثم آب إليه عقله فندم واعتذر وقال : لم أملك من نفسي شيئا . قال القوم : قد أصابنا كالذي [ 2 ] أصابك وأغمي علينا ، غير أنّا فارقناك في تخريق الثياب . فدعت جميلة بثياب فخلعتها على عمر ، فقبلها ولبسها ، وانصرف القوم إلى منازلهم . وكان عمر نازلا على ابن أبي عتيق ، فوجّه عمر إلى جميلة بعشرة آلاف درهم وبعشرة أثواب كانت معه ، فقبلتها جميلة . وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسرورا . حجت ومعها الشعراء والمغنون والمغنيات ووصف ركبها في مكة وفي المدينة حين آبت من الحج : قال إسحاق وحدّثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس قالا [ 3 ] : حجّت جميلة ، وأخبرني / إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق / ابن إبراهيم قال حدّثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس الكاتب ، وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثني عمّي مصعب قالوا جميعا : إنّ جميلة حجّت - وقد جمعت رواياتهم لتقاربها ، وأحسب الخبر كلَّه مصنوعا وذلك بيّن فيه - فخرج معها من المغنّين مشيّعين حتى وافوا مكة ورجعوا معها من الرجال المشهورين الحذّاق بالغناء هيت [ 4 ] وطويس والدّلال وبرد الفؤاد ونومة الضّحى وفند ورحمة [ 5 ] وهبة اللَّه - هؤلاء مشايخ وكلَّهم طيّب الغناء - ومعبد ومالك وابن عائشة ونافع بن طنبورة وبديح المليح ونافع الخير ، ومن المغنّيات الفرهة [ و ] [ 6 ] عزّة الميلاء وحبابة وسلَّامة وخليدة

--> [ 1 ] في أ ، م ، ء : « لم تعاين » . [ 2 ] في ج : « كل الذي أصابك » . [ 3 ] في الأصول : « قال » . [ 4 ] كذا في الأصول و « المشتبه في أسماء الرجال » ، وذهب جماعة إلى أنه « هنب » ( بالنون والباء ) . وقد رجح الأزهريّ أنه بالياء والتاء ، واحتج برواية الشافعي له هكذا . ( راجع « القاموس وشرحه واللسان » مادتي هنب وهيت ) . [ 5 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول : « رحة » . [ 6 ] التكملة عن « نهاية الأرب » ( ج 5 ص 44 من الطبعة الأولى ) « .