السيد البجنوردي

350

القواعد الفقهية

وهذه الرواية أدل روايات هذا الباب على المقصود ، أي صحة العفو مع نقض التوبة وتكرارها . وقال الفاضل النراقي في جامع السعادات : وورد في الإسرائيليات أن شابا عبد الله عشرين سنة ثم عصاه عشرين سنة ، ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال : إلهي أطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة فإن رجعت إليك تقبلني . فسمع قائلا يقول : أحببتنا فأحببناك ، فتركتنا فتركناك ، وعصيتنا فأمهلناك ، فإن رجعت إلينا قبلناك 1 . فظهر لك توافر الأدلة العقلية والنقلية من الكتاب والسنة على أن الله تبارك وتعالى يقبل التوبة عن عباده وإن نقضها ألف مرة ، فإنه غفور رحيم . الأمر السابع : في أن وجوب التوبة بناء على أنه إرشادي عقلي فوري ، إذا العقل لا يجوز التأخير ، أولا لأنه من الممكن أن يموت قبل أن يتوب ، فيبتلى بعقاب ما صدر عنه من المعاصي ، والمؤمن من هذا الاحتمال ليس إلا أن يتوب فورا ويخلص نفسه عن تبعة ما صدر منه . وأيضا على فرض أنه لم يمت لاشك في أن المعصية توجب البعد عن الله ودناءة النفس وخستها وهبوطها وقصورها عن الوصول إلى مقام القرب ودرجات الكمال ، فالعقل يحكم حكما بتيا بالخروج عن هذه النقيصة وفورية التوبة . وأما لو كان على الوجوب شرعيا ، فالأوامر الشرعية وإن كانت لا تدل لا على الفور ولا على التراخي كما حقق في الأصول ، ولكن هو فيما إذا كان لو عجل به الموت لا يبتلى بعقاب ترك الواجب ما لم يخرج عما هو وظيفة العبودية من المسامحة في امتثال أوامر المولى . وبعبارة أخرى : لا يعد تاركا للامتثال وعاصيا إلا بعد مضي زمان يصدق عليه

--> ( 1 ) جامع السعادات ج 3 ص 68 و 69 ، المقام الرابع : قبول التوبة .