السيد البجنوردي
343
القواعد الفقهية
والطغيان عليه إلى طاعته والتسليم لامره ، فيندم لأجل أنه مما يوجب سخط الله وغضبه أو البعد عنه ، وهذه الجهة والعلة مشتركة بين المعاصي ، فالعزم على ترك البعض دون البعض الاخر . وكذلك الندم عن ارتكاب البعض دون البعض الاخر غير ممكن ، مع اشتراك الجميع في علة الندم من الفعل ، والعزم على الترك . وإن شئت قلت : ليس الندم والعزم على الترك إلا لتقديم رضا الله على رضا نفسه بنيل الشهوات والخروج عن الطغيان والغي والضلال ، والرجوع إلى الطاعة والعمل بوظيفة العبودية ، ومقتضى هذا المعنى هو العزم على ترك جميع المعاصي صغيرها وكبيرها ، كانت من حقوق الله أو من حقوق الناس ، والتخصيص ببعض دون بعض لا وجه له . وفيه : أن المعاصي تختلف من حيث سخط المولى تعالى بصدورها عن العبد ، ولا شك في شدة العذاب الأليم بالنسبة إلى البعض دون البعض ، وكذلك سخطه أشد بالنسبة إلى البعض ، فما كان السخط فيه أشد والعذاب أغلظ ، علة العزم على الترك فيه أقوى ، فيؤثر في نفس العبد أزيد ويعزم على الترك . وإذا رأى أن العذاب فيه أغلظ أو مدته أطول كما أنه في قتل العمد مؤمنا نص الكتاب العزيز بالخلود في النار ، وقال تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) 1 فيكون الداعي على الترك أقوى ، فقهرا يحصل الندم على مثل هذا الفعل العظيم . ومما يكون موجبا للفرق في وجود الندم والعزم على الترك بين المعاصي اختلاف الشهوات بالنسبة إلى أفرادها ، وهذا أمر محسوس بالنسبة إلى المخدرات ، فإذا تعود الشخص بشربها وصار كالطبيعة الثانية له وحضر وقت عادته ، فلا يتمكن عادة من تركه ، ولا يحصل له الندم على فعله الماضي ، بل يشتاقه غاية الاشتياق مع كراهته لسائر المعاصي ، وكذلك الشاب الشبق إذا احتاج وخلى من الأجنبية
--> ( 1 ) النساء 4 : 93 .