السيد البجنوردي
344
القواعد الفقهية
الجميلة ، ولم يكن مانع في البين من فعل المحرم ، فلا يمكنه عادة العزم على ترك الفعل خصوصا إذا كان عاشقا لها . وخلاصة الكلام : أن اختلاف المعاصي من حيث الكبر والصغر ، ومن حيث كونها موجبة لاستحقاق العذاب الأشد والأخف ، ومن حيث الاختلاف في كون بعضها أقرب إلى تطرق العفو من البعض الاخر ، ومن حيث كون بعضها مما يقطع الرجاء دون البعض الاخر ، ومن حيث كون بعضها مما يمنع قبول الدعاء دون الاخر ، ومن حيث اختلاف الرغبات والشهوات والعادات موجب لصحة التبعيض في التوبة ، فيتوب عن بعض دون البعض الاخر ، فليست العلة مشتركة في الجميع كي لا يكون التفكيك والتبعيض ممكنا كما توهمه المتوهم . ومن جملة ما يوجب التبعيض شدة العداوة لشخص ، فلا يتوب عن إيذائه والافتراء عليه وغيبته وإشاعة عيوبه والازدراء به ، وقد رأينا أشخاصا مجتنبين عن أكثر المعاصي الكبيرة غاية الاجتناب ، ومع ذلك لا يجتنبون عن تفريط الأوقاف أو سهم الإمام عليه السلام ، ويفرون من شرب الخمر أو السرقة أو قتل النفس فرار الحمر المستنفرة من قسورة ، ولكن لا يتورعون بالنسبة إلى الأوقاف وسهم الإمام عليه السلام أبدا . والحاصل ، أن القول بعدم إمكان التبعيض في التوبة لما ذكروه في غاية الضعف ، بل أمر ممكن ، بل يقع كثيرا . ومنشأ الامكان والصحة تلك الاختلافات التي ذكرناها . الأمر الخامس : هل يجب التوبة عن الصغائر مع اجتنابه عن الكبائر أم لا ، لان التوبة عنها مع الاجتناب عن الكبائر لا أثر لها ، بل يكون لغوا ، لان الله تبارك وتعالى وعد العفو عن الصغائر إن اجتنب عن الكبائر ، وقال في كتابه العزيز : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) 1 .
--> ( 1 ) النساء 4 : 31 .