أبي الفرج الأصفهاني

351

الأغاني

أنشد بلالا شعرا في مدح أبي موسى نسبه للحطيئة : قال صالح : وأنشد حمّاد الراوية بلال بن أبي بردة ذات يوم قصيدة قالها ونحلها الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري يقول فيها : / جمعت [ 1 ] من عامر فيها ومن جشم ومن تميم ومن حاء ومن حام مستحقبات رواياها جحافلها يسمو بها أشعريّ طرفه سامي فقال له بلال : قد علمت أن هذا شيء قلته أنت ونسبته إلى الحطيئة ، وإلا فهل كان يجوز أن يمدح الحطيئة أبا موسى بشيء لا أعرفه أنا ولا أرويه ! ولكن دعها تذهب في الناس وسيّرها حتى تشتهر ، ووصله . يرى المفضل الضبي أنه أفسد شعر العرب بتخليطه ونحله شعره للقدماء : أخبرني محمد بن خلف وكيع قال سمعت أحمد بن الحارث الخرّاز يقول سمعت ابن الأعرابي يقول سمعت المفضّل الضّبيّ يقول : قد سلَّط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا . فقيل له : وكيف ذلك ؟ أيخطىء في روايته أم يلحن ؟ قال : ليته كان كذلك ، فإن أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصواب ، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ، ومذاهب الشعراء ومعانيهم ، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ، ويحمل ذلك عنه في الآفاق ، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد ، وأين ذلك ! . اجتمع مع المفضل الضبي عند المهدي فأجازه لجودة شعره وأبطل روايته : أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدّثني السّعيدي الراوية وأبو إياد المؤدّب - وكان مؤدّبي ثم أدّب المعتصم بعد ذلك وقد تعالت سنّه - وحدّثني بنحو من ذلك عبد اللَّه بن مالك وسعيد بن سلم [ 2 ] وحدّثني به ابن غزالة أيضا واتفقوا عليه : / أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي [ 3 ] بعيسا باذ ، وقد اجتمع فيها عدّة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها ، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب ، فدعا بالمفضّل الضّبّي الراوية فدخل ، فمكث مليّا ثم خرج إلينا ومعه حمّاد والمفضّل جميعا وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم ، وفي وجه المفضّل السرور والنشاط ، ثم خرج حسين الخادم معهما [ 4 ] ، فقال يا معشر من حضر من أهل العلم : إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره وأبطل روايته لزيادته في أشعار / الناس ما ليس منها ، ووصل المفضّل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته ، فمن أراد أن يسمع شعرا جيدا محدثا فليسمع من حماد ، ومن

--> [ 1 ] تقدّم شرح هذين البيتين في الجزء الثاني من هذه الطبعة ( في الحواشي 4 ، 5 ، 6 ص 175 والحواشي 1 ، 2 ، 3 ص 176 ) . [ 2 ] كذا في ح . ولعله سعيد بن سلم الباهلي أبو عمرو وقد كان معاصرا لعبد اللَّه بن مالك الخزاعي . وفي ب ، س : « سعيد بن مسلم » . وفي سائر الأصول : « سعيد بن سليم » . [ 3 ] عيسا باذ : أي عمارة عيسى ، لأن كلمة « باذ » فارسية معناها عمارة ، وهذه محلة كانت شرقي بغداد ومنسوبة إلى عيسى بن المهدي وكانت إقطاعا له . وبها مات موسى بن المهدي بن الهادي . وبها بنى المهدي قصره الذي سماه قصر السلام . [ 4 ] كذا في جميع الأصول . ولعل هذه الكلمة مقحمة أو محرّفة عن « بعدهما » .