أبي الفرج الأصفهاني

352

الأغاني

أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل ؛ فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهديّ قال للمفضل لما دعا به وحده : إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال : دع ذا وعدّ القول في هرم ولم يتقدّم له قبل ذلك قول ، فما الذي أمر نفسه بتركه ؟ فقال له المفضّل : ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلا أنّي توهمته كان يفكَّر في قول يقوله ، أو يروّي في أن يقول شعرا فعدل عنه إلى مدح هرم وقال دع ذا ، أو كان مفكرا في شيء من شأنه فتركه وقال دع ذا ، أي دع ما أنت فيه من الفكر وعدّ القول في هرم ؛ فأمسك عنه . ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضّل ، فقال ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين ؛ قال فكيف قال ؟ فأنشده : / لمن الديار بقنّة [ 1 ] الحجر أقوين مذ [ 2 ] حجج ومذ [ 2 ] دهر قفر بمندفع النحائت [ 3 ] من ضفوى [ 4 ] أولات [ 5 ] الضّال والسّدر [ 6 ] دع ذا وعدّ القول في هرم خير الكهول [ 7 ] وسيّد الحضر قال : فأطرق المهديّ ساعة ، ثم أقبل على حماد فقال له : قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لابد من استحلافك عليه ، ثم استحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنّه عن كل ما يسأله عنه ، فحلف له بما توثّق منه . قال له : اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير ؛ فأقرّ له حينئذ أنه قائلها ؛ فأمر [ 8 ] فيه وفي المفضّل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه . سأله الوليد عن مقدار روايته واستنشده شعرا في الخمر وأجازه : أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثنا أحمد بن عبيد قال حدّثنا الأصمعيّ قال : قال حماد الراوية : أرسل إليّ أمير الكوفة فقال لي : قد أتاني كتاب أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرني بحملك . فجملت فقدمت عليه وهو في الصيد ، فلما / رجع أذن لي ، فدخلت عليه وهو في بيت منجّد [ 9 ] بالأرمنيّ [ 10 ] أرضه وحيطانه ؛ فقال لي : أنت حماد الراوية ؟ فقلت له : إن الناس ليقولون ذلك ؛ قال : فما بلغ من روايتك ؟ قلت : أروي سبعمائة قصيدة أوّل كلّ واحدة منها : بانت سعاد ؛ فقال : إنها لرواية ! ثم دعا بشراب فأتته

--> [ 1 ] القنة : أعلى الجبل ، وأراد بها هنا ما أشرف على الأرض . والحجر : موضع بعينه وهو حجر اليمامة . [ 2 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول وديوانه : « من » وهي بمعنى مذ . [ 3 ] كذا في « ديوانه » . والنحائت : آبار في موضع معروف . وليس كل الآبار تسمى النحائت . وفي جميع الأصول : « النجائب » وهو تصحيف . [ 4 ] كذا في « ديوانه » . وضفوى ( بالفتح ثم السكون وفتح الواو والقصر . ورواه ابن دريد بفتحتين ) : مكان دون المدينة . وقد وردت هذه الكلمة في جميع الأصول محرفة . [ 5 ] في ب ، س : « ألاف » . [ 6 ] الضال : السدر البري فإن نبت على شطوط الأنهار فهو عبري . وكأنه أراد بالسدر ما كان غير بري فلذلك عطفه على الضال . [ 7 ] في « ديوانه » : « البداة » . [ 8 ] كذا في « تجريد الأغاني » و « مختار الأغاني » . وفي الأصول : « فأمر له فيه . . . إلخ » . [ 9 ] المنجد : المزين . [ 10 ] لعله يريد به نوعا من الحرير منسوبا إلى أرمن وهي إقليم جبلي من أذربيجان اشتهر بصناعة الحرير .