أبي الفرج الأصفهاني
340
الأغاني
ما كان بينه وبين مروان بن أبي حفصة في حضرة الوليد : أخبرني يحيى بن عليّ المنجّم قال حدّثني أبي قال حدّثني إسحاق الموصليّ عن مروان بن أبي حفصة ، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو بكر العامريّ عن الأثرم [ 1 ] عن مروان بن أبي حفصة قال : دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثّقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد وهو في فرش قد غاب فيها ، وإذا رجل عنده ، كلَّما أنشد شاعر شعرا ، وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره وقال : هذا أخذه من موضع كذا وكذا ، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان ، حتى أتى على أكثر الشعر ؛ فقلت : من هذا ؟ فقالوا : حمّاد الراوية . فلما وقفت بين يدي / الوليد أنشده قلت : ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين وهو لحنة لحّانة ؛ فأقبل الشيخ عليّ وقال : يا بن أخي ، إني رجل أكلَّم العامة فأتكلم بكلامها ، فهل تروي من أشعار العرب شيئا ؟ فذهب عنّي الشعر كله إلا شعر ابن مقبل ؛ فقلت له : نعم ، شعر ابن مقبل ؛ قال : أنشد ، فأنشدته قوله : سل الدار من جنبي حبرّ فواهب إذا ما رأى هضب القليب المضيّح [ 2 ] ثم جزت ؛ فقال لي : قف فوقفت ؛ فقال لي : ماذا يقول ؟ فلم أدر ما يقول ! فقال لي حماد : يا بن أخي ، أنا أعلم الناس بكلام العرب . يقال : تراءى الموضعان إذا تقابلا . سأل الهيثم بن عديّ عن معنى شعر فعجز : حدّثني عمّي قال حدّثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عديّ قال : قلت لحماد الراوية يوما : ألق عليّ ما شئت من الشعر أفسّره لك ؛ فضحك وقال لي : ما معنى قول ابن مزاحم [ 3 ] الثّماليّ : تخوّف السير منها تامكا قردا كما تخوّف عود النّبعة السّفن [ 4 ] ؟ / فلم أدر ما أقول ؛ فقال : تخوّف : تنقّص . قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ ) * أي على تنقّص . قال الهيثم : ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حمّاد .
--> [ 1 ] هو أبو الحسن علي بن المغيرة صاحب الأصمعي وأبي عبيدة ، روى عن جماعة من العلماء وعن فصحاء العرب ، وتوفي سنة ثلاثين ومائتين . ( راجع « فهرست ابن النديم » ص 56 طبع أوروبا ) . [ 2 ] كذا في « معجم ما استعجم » . وحبر ( بكسر أوّله وثانيه وبالراء المهملة المشدّدة ) : جبل لبني سليم وكذلك واهب . وهضب القليب : ماء لبني قنفذ من بني سليم ، وهناك فتلت بنو قنفذ المقصص العامري . والمضيح ( بضم أوّله وفتح ثانيه وتشديد الياء المثناة المفتوحة بعدها حاء مهملة ) : ماء لبني البكاء . وقد ورد هذا البيت في الأصول محرّفا هكذا : سلى الدار من خنبيّ خبير فذاهب إذا ما رأى هضب القليب المصبح [ 3 ] كذا في « مختار الأغاني » وهامش « لسان العرب » ( مادة سفن ) . وفي جميع الأصول : « مزاحم » . وقد نسب هذا البيت لذي الرمة كما نسب لابن مقبل ولعبد اللَّه بن عجلان النهدي . ( راجع « اللسان » و « الصحاح » مادتي سفن وخوف ) . [ 4 ] التامك : السنام . والقرد : المتلبد الصوف . والسفن : الحديدة التي تبرد بها القسيّ . ورواية هذا البيت في « الصحاح » ( مادتي سفن وخوف ) : تخوف الرحل منها . . . . . . ظهر النبعة السفن