أبي الفرج الأصفهاني
412
الأغاني
هؤلاء السّفّل إن جئناهم نكارمهم [ 1 ] تغافلوا عنا ، وإن أعطونا النّزر اليسير منّوا به علينا وعابونا ، فمن يلومني أن أشتمهم ؟ فقلت : ما عليك لوم . / - قال : فقال له يحيى : وأيّ شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت ؟ قال : ما تريد ؛ قال : هذه الزّربيّة [ 2 ] الأرمينيّة ، كم تقعد عليها ! أما آن لك أن تملَّها ؟ قال : بلى ، وهي لك . قال : وهذه الظباء الحرميّة ، وأنا مكيّ لا أنت ، وأنا أولى بها ؛ قال : هي لك ، وأمر بحملها معه . فلما حصلت له ، قال المارقيّ : يا غلام ، هات العود ؛ قال يحيى : والميزان والدراهم ، وكان لا يغنّي أو يأخذ خمسين درهما ، فأعطاه إيّاها ؛ فألقى عليه قوله : بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقل إن تملَّينا فما ملَّك القلب - ولحنه لكردم ثقيل أول - فلم يشكّ المارقيّ أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم وأدرك حاجته . فبكَّر إلى إبراهيم وقد أخذ الصوت ، فقال له : قد جئتك بالحاجة . فدعا بالعود فغنّاه إياه ؛ فقال له : لا واللَّه ما هو هذا ، وقد خدعك ، فعاود الاحتيال عليه . فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما . فلما دخل إليه وأكلا وشربا قال له يحيى : قد واليت بين دعواتك لي ، ولم تكن برّا ولا وصولا ، فما هذا ؟ قال : لا شيء واللَّه إلا محبتي للأخذ عنك والاقتباس منك ؛ فقال : سرّك اللَّه ، فمه . قال : تذكرت الصوت الذي سألتك إياه فإذا ليس هو الذي ألقيت عليّ . قال : فتريد ماذا ؟ قال : تذكر الصوت . قال : أفعل ، ثم اندفع فغنّاه : ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا [ 3 ] قلّ الثواء لئن كان الرحيل غدا - والغناء لمعبد ثقيل أول - فقال له : نعم ، فديتك يا أبا عثمان ، هذا هو ، ألقه عليّ ؛ قال : العوض ؛ قال : ما شئت ؟ قال : هذا المطرف الأسود ؛ قال : هو لك . فأخذه / وألقى عليه هذا الصوت حتى استوى له ، وبكَّر إلى إبراهيم ؛ فقال له : ما وراءك ؟ قال : قد قضيت الحاجة ؛ فدعا له بعود فغنّاه ؛ فقال : خدعك واللَّه ، ليس هذا هو ؛ فعاود الاحتيال عليه ، وكلّ ما تعطيه إياه ففي ذمّتي . فلما كان / اليوم الثالث بعث بي إليه ، فدعوته وفعلنا مثل فعلنا بالأمس . فقال له يحيى : فما لك أيضا ؟ قال له : يا أبا عثمان ، ليس هذا الصوت هو الذي أردت ؛ فقال له : لست أعلم ما في نفسك فأذكره ، وإنما عليّ أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى عندي زينب البتة إلا أحضرتها ؛ فقال : هات على اسم اللَّه ؛ قال : اذكر العوض ؛ قلت : ما شئت ؛ قال : هذه الدّراعة [ 4 ] الوشي التي عليك ؛ قال : فخذها والخمسين الدرهم ، فأحضرها . فألقى عليه - والغناء لمعبد ثقيل أول - : لزينب طيف تعتريني طوارقه هدوءا إذا النجم ارجحنّت [ 5 ] لواحقه فأخذه منه ومضى إلى إبراهيم ، فصادفه يشرب مع الحرم ؛ فقال له حاجبه : هو متشاغل ؛ فقال : قل له : قد جئتك بحاجتك . فدخل فأعلمه ؛ فقال : يدخل فيغنّيه في الدار وهو قائم ، فإن كان هو وإلا فليخرج ، ففعل ؛ فقال :
--> [ 1 ] كذا في أ ، ء ، م . وكارمه : أهدى إليه ليكافئه ويثيبه . وفي سائر الأصول : « مكارهة » وهو تحريف . [ 2 ] كذا في أكثر الأصول . والزربية : واحدة الزرابيّ وهي البسط ، وقيل كل ما بسط واتكىء عليه . وفي ح : « الزلية » والزلية ( بضم الزاي وتشديد اللام المكسورة ) : البساط ، معرب « زيلو » بالفارسية ، وجمعها زلالي . [ 3 ] أفد : دنا . [ 4 ] الدراعة ( كرمانة ) : جبة مشقوقة المقدم ولا تكون إلا من صوف ، وجمعها دراريع [ 5 ] ارجحنت : اهتزت ومالت .