أبي الفرج الأصفهاني
413
الأغاني
لا واللَّه ما هو هذا ، ولقد خدعك ، فعاود الاحتيال عليه . ففعل مثل ذلك بيحيى ؛ فقال له يحيى وهو يضحك : أما ظفرت بزينبك بعد ؟ فقال : لا واللَّه يا أبا عثمان ، وما أشكّ في أنك تعتمدني بالمنع مما أريده ، وقد أخذت كل [ 1 ] شيء عندي معابثة . فضحك يحيى وقال : قد استحييت منك الآن ، وأنا ناصحك على شريطة ؛ قال : نعم ، لك الشريطة ؛ قال : لا تلمني في أن أعابثك لأنك أخذت في معابثتي ، والمطلوب إليه أقدر من الطالب ، فلا تعاود / أن تحتال عليّ فإنك تظفر منّي بما تريد ، إنما دسّك إبراهيم بن المهديّ عليّ لتأخذ مني صوتا غنّيته ، فسألني إعادته فمنعته بخلا عليه لأنه لا يلحقني منه خير ولا بركة ، ويريد أن يأخذ غنائي باطلا ، وطمع بموضعك أن تأخذ الصوت بلا ثمن ولا حمد ؛ لا واللَّه إلا بأوفر ثمن وبعد اعترافك ، وإلا فلا تطمع في الصوت . فقال له : أمّا إذ فطنت فالأمر واللَّه على ما قلت ، فتغنّيه الآن بعينه على شرط أنه إن كان هو هو وإلا فعليك إعادته ، ولو غنّيتني كلّ شيء تعرفه لم أحتسب لك إلا به ؛ قال : اشتره . فتساوما طويلا وماكسه [ 2 ] حتى بلغ الصوت ألف درهم ، فدفعها إليه ؛ وألقى عليه : صوت طرقتك زينب والمزار بعيد بمنى ونحن معرّسون هجود فكأنما طرقت بريّا روضة أنف تسحسح مزنها وتجود - لحنه خفيف ثقيل . قال : وهو صوت كثير العمل ، حلو النّغم ، محكم الصّنعة ، صحيح القسمة ، حسن المقاطع - فأخذه وبكَّر إلى إبراهيم بن المهديّ ، فقال له : قد أفقرني هذا الصوت وأعراني ، وأبلاني بوجه يحيى المكي وشحّه وطلبه وشرهه ، وحدّثه بالقصّة ؛ فضحك إبراهيم . وغنّاه إياه ، فقال : هذا أبيك هو بعينه . فألقاه عليه حتى أخذه ، وأخلف عليه كلّ شيء أخذه يحيى منه وزاده خمسة آلاف درهم ، وحمله على برذون أشهب فاره بسرجه ولجامه . فقال له : يا سيّدي ؛ فغلامك زرزور المسكين قد تردّد عليه حتى ظلع [ 3 ] ، هب له شيئا ، فأمر له بألف درهم . غنى للأمين لحنا أراد المغنون أخذه عنه فأبى : حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثتني ريّق وشارية / جميعا قالتا : كان مولانا - تعنيان أبي - في مجلس محمد الأمين يوما والمغنّون حضور ، فغنّى يحيى المكي - واللحن له خفيف ثقيل - : صوت خليل لي أهيم به فما كافا [ 4 ] ولا شكرا بلى يدعى له باسمي إذا ما ريع أو عثرا
--> [ 1 ] كذا في أ ، ء ، م . وفي سائر الأصول : « وقد أخذت في كل . . . إلخ » . والظاهر أن « في » مقحمة . [ 2 ] في الأصول : « وماكسه أبي حتى بلغ . . . إلخ » . وراوي القصة هو زرزور غلام المارقي لا ابنه . فلعل كلمة « أبي » مقحمة من النساخ . وماكسه في البيع : شاحه واستحطه الثمن واستنقصه إياه . [ 3 ] ظلع : عرج وغمز في مشيه . [ 4 ] كافا مسهل كافأ .