أبي الفرج الأصفهاني
234
الأغاني
لا يحسب الجود يفني ماله أبدا ولا يرى بذل ما يحوي من السّرف ومضيت فيها حتى أتممتها ؛ فطرب وقال : أحسنت واللَّه يا أبا محمد ، وكنّاني يومئذ ، وأمر لي بمائة ألف درهم ؛ وانحدر إلى الصالحيّة التي يقول فيها أبو نواس : بالصالحيّة من أكناف كلواذ [ 1 ] فذكرت الصبيان وبغداد فقلت : أتبكي على بغداد وهي قريبة فكيف إذا ما ازددت منها غدا بعدا لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى لو أنّا وجدنا عن فراق لها بدّا إذا ذكرت بغداد نفسي تقطَّعت من الشوق أو كادت تموت بها وجدا كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها وداعا ولم أحدث بساكنها عهدا قال : فقال لي : يا موصليّ ، أشتقت إلى بغداد ؟ فقلت : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ، ولكن من أجل الصبيان ، وقد حضرني بيتان ؛ فقال : هاتهما ؛ فأنشدته : / حننت إلى الأصيبية الصّغار وشاقك منهم قرب المزار وأبرح ما يكون الشوق يوما [ 2 ] إذا دنت الدّيار من الديار فقال لي : يا إسحاق ، صر إلى بغداد فأقم مع عيالك شهرا ثم صر إلينا ، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم . صنع الواثق لحنا وأمره أن يغني فيه فصنع هو لحنا أحسن منه : أخبرنا يحيى بن عليّ قال أخبرني أبي قال : لمّا صنع الواثق لحنه في : أيا منشر الموتى أقدني من التي بها نهلت [ 3 ] نفسي سقاما وعلَّت لقد بخلت حتى لو أنّي سألتها قذى العين من سافي التراب لضنّت
--> [ 1 ] كلواذا ( بفتح فسكون وآخرها ألف مقصورة . ولعل أبا نواس كسرها هنا للقافية ، فقد أوردها بالفتح في قوله : أحين ودّعنا يحيى لرحلته وخلف الفرك واستعلى لكلواذا ) مدينة كانت قرب بغداد في ناحية الجانب الشرقي منها . وهذا الشطر من قصيدة لأبي نواس وردت في « ديوانه » ، وقد ورد فيها على غير رواية الأصول هنا ، مطلعها : وقائل هل تريد الحج قلت له نعم إذا نفدت لذات بغذاذ أما وقطر بل منها بحيث أرى فقبة الفرك من أكناف كلواذ فالصالحية فالكرخ التي جمعت شذاذ بغذاذ ما هم لي بشذاذ وللفرك ( بالكسر ) : قرية كانت قرب كلواذا . [ 2 ] ستأتي في « الأغاني » ( ج 8 ص 168 طبع بولاق ) رواية أخرى لهذا الشطر : وكل مفارق يزداد شوقا [ 3 ] النهل ( بالتحريك ) : الشرب الأوّل ، يقال : نهلت الإبل وأنهلتها أنا ، وهو أن تسقي في أوّل الورد فترد إلى العطن ( مناخ الإبل ومبركها ) ثم تسقى الثانية وهو العلل فتردّ إلى المرعى .