أبي الفرج الأصفهاني
205
الأغاني
وتحت هذين البيتين : « تقدّم - جعلت فداك - إلى من بخصرتك من المغنّين بأن يغنّوا في هذين البيتين ، وألق جميع ما يصنعونه على فلانة ؛ فإذا أخذته فأنفذها إليّ مع رسولي » ؛ فقلت : السمع والطاعة لأمر الأمير أعزّه اللَّه ، فهل صنع فيهما أحد قبلي ؟ فقال : نعم ، إسحاق الموصليّ ؛ فقلت : واللَّه لو كلَّف إبليس أن يصنع فيهما صنعة يفضل إسحاق فيها بل يساويه بل يقاربه ، ما قدر على ذلك ولا بلغ مبلغه ؛ فضحك حتى استلقى ، وقال : صدقت واللَّه ! وهكذا يقول من / يعقل لا كما يقول / هؤلاء الحمقى ، ولكن اصنع فيهما على كل حال كما أمر ؛ فقلت : أفعل وقد برئت من العهدة ؛ فانصرفت فصنعت فيهما صنعة كانت واللَّه عند صنعة إسحاق بمنزلة غناء القرّادين . أخبره أحد الخلفاء بظهور الشيب فيه فبكى وقال في ذلك شعرا وغنى فيه : حدّثني جحظة قال حدّثني ميمون قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال : قال لي المعتصم أو قال لي الواثق : لقد ضحك الشّيب في عارضيك ؛ فقلت : نعم يا سيّدي ، وبكيت ؛ ثم قلت أبياتا في الوقت وغنّيت فيها : تولَّى شبابك إلا قليلا وحلّ المشيب فصبرا جميلا كفى حزنا بفراق الصّبا وإن أصبح الشيب منه بديلا ولمّا رأى الغانيات المشي ب أغضين دونك طرفا كليلا سأندب عهدا مضى للصّبا وأبكي الشباب بكاء طويلا فبكى الواثق وحزن وقال : واللَّه لو قدرت على ردّ شبابك لفعلت بشطر ملكي ؛ فلم يكن لكلامه عندي جواب إلا تقبيل البساط بين يديه . جهد المغنون أن يأخذوا لحنا له فلم يستطيعوا أن يفوا به : أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني حمدون بن إسماعيل قال : لمّا صنع أبوك لحنه في : قف بالديار التي عفا القدم وغيّرتها الأرواح [ 1 ] والدّيم رأيتهم ( يعني المغنّين ) يأخذونه عنه ويجهدون فيه ؛ فتوفّي واللَّه وما أخذوا منه إلا رسمه . نسبة هذا الصوت صوت قف بالديار التي عفا القدم وغيّرتها الأرواح والدّيم لمّا وقفنا بها نسائلها فاضت من القوم أعين سجم [ 2 ]
--> [ 1 ] الأرواح : جمع ريح كالأرياح والرياح . [ 2 ] سجم : جمع سجوم ، يقال : سجمت العين الدمع ( من بابي ضرب وقعد ) : أسالته قليلا كان أو كثيرا ، فالعين ساجمة وسجوم . ويقال : سجم الدمع ( من باب قعد ) : سال ، فالفعل لازم متعد .