أبي الفرج الأصفهاني

206

الأغاني

ذكرا لعيش مضى إذا ذكروا ما فات منه فإنه سقم وكل عيش دامت غضارته منقطع مرّة ومنصرم الشعر والغناء لإسحاق ، ثقيل أوّل بالوسطى من جميع أغانيه . حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني هارون اليتيم قال حدّثني عجيف بن عنبسة قال : كنت عند أمير المؤمنين المعتصم وعنده إسحاق الموصليّ ، فغنّاه : قل لمن صدّ عاتبا ونأى عنك جانبا فأمره بإعادته ، فأعاده ثلاثا ، وشرب عليه ثلاثا ، فقال له إبراهيم بن المهديّ : قد استحسنت هذا الصوت يا أمير المؤمنين ، أفنأخذه ؟ قال : نعم ، خذوه فقد أعجبني ؛ فاجتمع جماعة المغنّين : مخارق وعلَّويه وعمرو بن بانة وغيرهم ، فأمره المعتصم أن يلقيه عليهم حتى يأخذوه ؛ فقال عجيف : فعددت خمسين مرّة قد أعاده فيها عليهم وهم يظنّون أنهم قد أخذوه ولم يكونوا أخذوه . قال هارون : فنحن في هذا الحديث إذ دخل علينا محمد بن الحارث بن بسخنّر ، فقال له عجيف : يا أبا جعفر ، كنت أحدّث أبا موسى بحديثنا البارحة مع إسحاق في الصوت / وأنّي عددت خمسين مرة ؛ / فقال محمد : إي واللَّه ! - أصلحك اللَّه - ولقد عددت أنا أكثر من سبعين مرّة وما في القوم أحد إلا وهو يظن أنه قد أخذه ، واللَّه ما أخذه أحد منهم وأنا أوّلهم ما قدرت - علم اللَّه - على أخذه على الصحة وأنا أسرعهم أخذا ، فلا أدري : ألكثرة زوائده فيه أم لشدّة صعوبته ؛ ومن يقدر أن يأخذ من ذلك الشيطان شيئا ! . أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني عجيف بن عنبسة بهذا الخبر فذكر مثله سواء . مر على المعتصم شعر أعجبه وزنه دون معناه فصاغ هو فيه معنى أعجبه فأجازه : قال أبو أيّوب وحدّثني حمّاد عن أبيه قال : كنت يوما عند المعتصم ، فمرّ شعر على هذا الوزن فقال : وددت أنه على غير ما هو ؛ فقلت له : أنا لك به على هذا الوزن في أحسن من هذا الشعر : صوت قل لمن صدّ عاتبا ونأى عنك جانبا قد بلغت الذي أرد ت وإن كنت لاعبا فأعجبه ، وقال لي : قد واللَّه أحسنت ! وأمر لي بألفي دينار ، وو اللَّه ما كانت قيمتهما عندي دانقين [ 1 ] . الشعر والغناء في هذين البيتين لإسحاق ، ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى . غضب عليه الأمين فتشفع إليه بالفضل بن الربيع ثم دخل عليه بالأنبار وغناه فأطربه فأجازه : أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني ابن المكَّيّ عن إسحاق قال :

--> [ 1 ] الدانق : سدس الدرهم معرب « دانك » بالفارسية .