أبي الفرج الأصفهاني

204

الأغاني

علَّويه العود وشرب رطلا وشرب عليّ بن هشام ؛ ثم تناول العود وغنّى : صوت ولقد أسمو إلى غرف في طريق موحش جدده [ 1 ] حوله الأحراس تحرسه ولديه جاثما أسده - الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو - فقال له إسحاق : أخطأت ويلك ! فوضع العود من يده ثم أقبل على إسحاق فقال له : دعاك الأمير - أعزّه اللَّه - لتبكَّر إليه ، فجئته ظهرا ، وغنّيت صوتين يشتهيهما الأمير - أعزّه اللَّه - عليّ فخطَّأتني فيهما ، وزعمت أنك لا تغنّي بين يدي الأمير - أعزّه اللَّه - ولا تغنّي إلا بين يدي خليفة أو وليّ عهد ، ولو دعاك بعض البرامكة لكنت تسرع إليه ثم تغنّى منذ غدوة إلى الليل ! ؛ فقال إسحاق : إني واللَّه ما أردت انتقاصا منك ، ولا أقول مثله لغيرك ولا أريد ازدراء من أحد ، ولكني أردت بك خاصّة التقويم والتأديب ؛ فإن ساءك ذلك تركتك في خطئك . ثم أقبل على عليّ بن هشام ، فقال له : أعزّك اللَّه ، إني أحدّثك عن البرامكة بما يقيم عذري فيما ذكره : دخلت على يحيى بن خالد يوما ، ولم أكن أردت الدخول عليه ، وإنما ركبت متبذّلا [ 2 ] لهمّ أهّمني ، وكنت نازلا مع أبي في داره ، فضقت صدرا بذلك وأحببت النّقلة عنه ، ونظرت فإذا يدي تقصر عما يصلحني ؛ ثم ذكر الخبر نحوا مما قلته . وزاد فيه : أنه دخل إلى يحيى بن خالد وهو مصطبح ، فلما رآه نعر [ 3 ] وصفّق ، وأنه وقّع له بمائتي ألف درهم ، ووقّع له كلّ من جعفر والفضل بمائة وخمسين ألفا ، وكلّ واحد من موسى ومحمد بمائة ألف مائة ألف . وقال فيه : فبكى عليّ بن هشام ومن حضر ، وقالوا : / لا يرى واللَّه مثل هؤلاء أبدا ؛ وأخذ إسحاق العود فغنّى الصوتين فأتى فيهما بالعجائب ؛ فقام علَّويه فقبّل رأسه وقال له : أنت أستاذنا وابن أستاذنا ، وما بنا عن تقويمك غنّى ؛ ثم غنّى بعد ذلك لحنه : « تشكَّى الكميت الجري » ، ولم يزل يغنّي بقيّة يومه كلَّما شرب عليّ بن هشام ؛ ثم انصرف فأتبعه عليّ بن هشام بجائزة سنيّة . قال عبد اللَّه بن العباس الربيعي : إنه لا يقاربه في الصنعة أحد : حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا عون بن محمد قال حدّثني عبد اللَّه بن العبّاس الرّبيعيّ قال : أحضرني إسحاق بن إبراهيم بن مصعب ، فلمّا جلست واطمأننت ، أخرج إليّ خادمه رقعة ، فقال : اقرأ ما فيها واعمل بما رسمه الأمير أعزّه اللَّه ؛ فقرأتها فإذا فيها قوله : صوت يرتاح للدّجن [ 4 ] قلبي وهو مقتسم بين الهموم ارتياح الأرض للمطر إني جعلت لهذا الدّجن نحلته [ 5 ] ألَّا يزول ولي في اللهو من وطر

--> [ 1 ] جدده ( بضم ففتح ) : معالمه ، واحده جدّة . [ 2 ] التبذل : ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع . [ 3 ] نعر : صاح وصوّت . [ 4 ] الدجن : إلباس الغيم الأرض ، وقيل : إلباسه أقطار السماء . [ 5 ] النحلة : المذهب والنوع ، يعني أنه جعل لهذا الدجن ما يناسبه من الشراب واللهو ، وكان من عادتهم أنهم يستحسنون ذلك إذا أدجن اليوم .