أبي الفرج الأصفهاني
168
الأغاني
سقيم ملّ منه أقربوه وأسلمه المداوي والحميم فقال الرشيد : إنّا للَّه ! وخرج ، فلم يبعد حتى سمع الواعية [ 1 ] عليه . أمر الرشيد ابنه المأمون أن يصلي عليه مع آخرين : أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثني عمر بن شبّة قال : مات إبراهيم الموصليّ سنة ثمان وثمانين ومائة ، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحويّ والعباس بن الأحنف الشاعر وهشيمة [ 2 ] الخمّارة ، فرفع ذلك إلى الرشيد ، فأمر المأمون أن يصلَّي عليهم ، فخرج فصفّوا بين يديه ؛ فقال : من هذا الأوّل ؟ قيل : إبراهيم ؛ فقال : أخّروه وقدّموا العبّاس بن الأحنف ، فقدّم فصلَّى عليهم ؛ فلما فرغ وانصرف ، دنا منه هاشم بن عبد اللَّه بن مالك الخزاعيّ فقال : يا سيّدي ، كيف آثرت العبّاس بالتّقدمة على من حضر ؟ قال : لقوله : وسعى بها ناس فقالوا إنّها لهي التي تشقى بها وتكابد [ 3 ] فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهم [ 4 ] إنّي ليعجبني المحبّ الجاحد ثم قال : أتحفظها ؟ قلت نعم ؛ فقال : أنشدني باقيها ؛ فأنشدته : لمّا رأيت الليل سدّ طريقه عنّي وعذّبني الظلام الراكد والنّجم في كبد السماء كأنه أعمى تحيّر ما لديه قائد ناديت من طرد الرّقاد بصدّه عمّا [ 5 ] أعالج وهو خلو هاجد يا ذا الذي صدع الفؤاد بهجره أنت البلاء طريفه والتّالد ألقيت بين جفون عيني حرقة فإلى متى أنا ساهر يا راقد / فقال المأمون : أليس من قال هذا الشعر حقيقا بالتقدمة ؟ فقلت : بلى واللَّه يا سيّدي . ذهاب برصوما الزامر مع ابنه إسحاق إلى المجلس الذي كان يجلس فيه وبكاؤه عليه : أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال : قال لي برصوما الزامر : أما في حقّي وخدمتي وميلي إليكم وشكري لكم ما أستوجب به أن تهب لي يوما من عمرك تفعل فيه ما أريد ولا تخالفني في شيء ؟ فقلت : بلى ووعدته بيوم ؛ فأتاني فقال : مر لي بخلعة ، ففعلت وجعلت فيها جبّة وشى ؛ فلبسها ظاهرة وقال : امض بنا إلى المجلس الذي كنت آتي أباك فيه ؛ فمضينا جميعا إليه وقد خلَّقته وطيّبته ؛ فلما صار على باب المجلس رمى بنفسه إلى الأرض فتمرّغ في التّراب وبكى وأخرج نايه وجعل
--> [ 1 ] كذا في ط ، ء ، ح . والواعية : الصراخ على الميت . وفي سائر الأصول : « الناعية » . [ 2 ] هكذا وردت مضبوطة في ط ( بضم الهاء وفتح الشين ) ، وهي : امرأة كانت تبيع الخمر ، وكانت جارة لإسحاق الموصلي ، وقد رثاها بأبيات يرميها فيها بالقيادة . ( انظر ترجمة إسحاق الموصلي فيما سيأتي من هذا الجزء ) . [ 3 ] في ط ، ء : « وتجاهد » . [ 4 ] في ط ، ء : « همهم » . [ 5 ] كذا في ط ، ء و « ديوانه » . وفي سائر الأصول : « عمن » .