أبي الفرج الأصفهاني

322

الأغاني

قال : وكيف لي بذلك ؟ فأخذت بيده فجئت به إلى عبيد اللَّه ، وكان لا يعرفه ، فتحدّثا ساعة ، ثم قال له أبو العتاهية : هل لك في بيتين تجيزهما ؟ فقال له عبيد اللَّه : إنه لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ . فقال له : لا نرفث ولا نفسق ولا نجادل . فقال : هات إذا . فقال أبو العتاهية : / إنّ المنون غدوّها ورواحها في الناس دائبة تجيل قداحها يا ساكر الدنيا لقد أوطنتها ولتنزحنّ وإن كرهت نزاحها / فأطرق عبيد اللَّه ينظر إلى الأرض ساعة ، ثم رفع رأسه فقال : خذ لا أبالك للمنيّة عدّة واحتل لنفسك إن أردت صلاحها لا تغترر فكأنّني بعقاب ري ب الموت قد نشرت عليك جناحها قال : ثم سمعت الناس ينحلون أبا العتاهية هذه الأربعة الأبيات كلَّها ، وليس له إلَّا البيتان الأوّلان . قصته في السجن مع داعية عيسى بن زيد : أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثنا ميمون بن هارون قال حدّثني إبراهيم بن رباح قال أخبرني إبراهيم بن عبد اللَّه ، وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا هارون بن مخارق قال حدّثني إبراهيم بن دسكرة ، وأخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال : قال أبو العتاهية : حبسني [ 1 ] الرشيد لمّا تركت قول الشعر ، فأدخلت السجن وأغلق الباب عليّ ، فدهشت كما يدهش مثلي لتلك الحال ، وإذا أنا برجل جالس في جانب الحبس مقيّد ، فجعلت أنظر إليه ساعة ، ثم تمثّل : صوت تعوّدت مرّ الصبر حتى ألفته وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر وصيّرني يأسي من النّاس راجيا لحسن صنيع اللَّه من حيث لا أدري فقلت له : أعد ، يرحمك اللَّه ، هذين البيتين . فقال لي : ويلك أبا العتاهية ! ما أسوأ أدبك وأقلّ عقلك ! دخلت عليّ الحبس فما سلَّمت تسليم المسلم على المسلم ، ولا سألت مسألة الحرّ للحرّ ، ولا توجّعت توجّع المبتلى للمبتلى ، حتى إذا سمعت بيتين / من الشعر الذي لا فضل فيك غيره ، لم تصبر عن استعادتهما ، ولم تقدّم قبل مسألتك عنهما عذرا لنفسك في طلبهما ! فقلت : يا أخي إنّي دهشت لهذه الحال ، فلا تعذلني واعذرني متفضّلا بذلك . فقال : أنا واللَّه أولى بالدّهش والحيرة منك ؛ لأنك حبست في أن تقول شعرا به ارتفعت وبلغت ، فإذا قلت أمّنت ، وأنا مأخوذ بأن أدلّ على ابن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ليقتل أو أقتل دونه ، وو اللَّه لا أدلّ عليه أبدا ، والساعة يدعى بي فأقتل ، فأيّنا أحقّ بالدّهش ؟ فقلت له : أنت واللَّه أولى ، سلَّمك اللَّه وكفاك ، ولو علمت أنّ هذه حالك ما سألتك . قال : فلا نبخل عليك إذا ، ثم أعاد البيتين حتى حفظتهما . قال : فسألته من هو ؟ فقال : أنا خاصّ داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد . ولم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال ، فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرّه ، ولبس ثوبا نظيفا كان

--> [ 1 ] في « وفيات الأعيان » لابن خلكان ( ج 1 ص 102 ) : « أمر المهدي بحبسي . . . » .