أبي الفرج الأصفهاني
303
الأغاني
قال لي محمد بن أبي العتاهية : كان أبي لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر إلا في طريق الحجّ ، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعاون . فلمّا قدم الرشيد الرّقّة ، لبس أبي الصوف وتزهّد وترك حضور المنادمة والقول في الغزل ، وأمر الرشيد بحبسه فحبس ؛ فكتب إليه من وقته : صوت أنا اليوم لي والحمد للَّه أشهر يروح عليّ الهمّ منكم ويبكر تذكَّر أمين اللَّه حقّي وحرمتي وما كنت توليني لعلك [ 1 ] تذكر ليالي تدني منك بالقرب مجلسي ووجهك من ماء البشاشة يقطر فمن لي بالعين التي كنت مرّة إليّ بها في سالف الدهر تنظر / قال : فلمّا قرأ الرشيد الأبيات قال : قولوا له : لا بأس عليك . فكتب إليه : صوت أرقت وطار عن عيني النّعاس ونام السامرون ولم يواسوا أمين اللَّه أمنك خير أمن عليك من التّقى فيه لباس تساس من السماء بكلّ برّ وأنت به تسوس كما تساس كأنّ الخلق ركَّب فيه روح له جسد وأنت عليه رأس أمين اللَّه إنّ الحبس بأس وقد أرسلت [ 2 ] : ليس عليك باس - غنّى في هذه الأبيات إبراهيم ، ولحنه ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى . وفيه أيضا ثقيل أوّل عن الهشاميّ - قال : وكتب إليه أيضا في الحبس [ 3 ] : وكلَّفتني ما حلت بيني وبينه وقلت سأبغي ما تريد وما تهوى فلو كان لي قلبان كلَّفت واحدا هواك وكلفت الخليّ لما يهوى قال : فأمر بإطلاقه . حدّثني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني الزبير بن بكَّار قال حدّثني ثابت بن الزّبير بن حبيب قال حدّثني ابن أخت أبي خالد الحربيّ قال : قال لي الرشيد : احبس أبا العتاهية وضيّق عليه حتى يقول الشعر الرقيق في الغزل كما كان يقول . فحبسته في بيت خمسة أشبار في مثلها ؛ فصاح : الموت ، أخرجوني ، فأنا أقول كلّ ما شئتم . فقلت : قل . فقال : حتى أتنفّس . فأخرجته وأعطيته دواة وقرطاسا ؛ فقال أبياته التي أوّلها :
--> [ 1 ] كذا في « الديوان » ( ص 326 ) وأشير في هامشه إلى رواية أخرى هي : « كذلك يذكر » . وفي جميع النسخ : « لذلك يذكر » . [ 2 ] في « الديوان » : « وقد وقعت » . [ 3 ] في أ ، ء ، م : « من الحبس » .