أبي الفرج الأصفهاني

272

الأغاني

يوم ؟ قال / رغيفين . فقلت له : لا يكفيانه . قال : من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير ، وكلّ من أعطى نفسه شهوتها هلك ، وهذا خادم يدخل إلى حرمي وبناتي ، فإن لم أعوّده القناعة والاقتصاد أهلكني وأهلك عيالي ومالي . فمات الخادم بعد ذلك فكفّنه في إزار وفراش له خلق . فقلت له : سبحان اللَّه ! خادم قديم الحرمة طويل الخدمة واجب الحق ، تكفّنه في خلق ، وإنما يكفيك له كفن بدينار ! فقال : إنه يصير إلى البلى ، والحيّ أولى بالجديد من الميّت . فقلت له : يرحمك اللَّه أبا إسحاق ! فلقد عوّدته الاقتصاد حيّا وميّتا . قال محمد بن عيسى هذا : وقف عليه ذات يوم سائل من العيّارين [ 1 ] الظَّرفاء وجماعة من جيرانه حوله ، فسأله من بين الجيران ؛ فقال : صنع اللَّه لك ! فأعاد السّؤال فأعاد عليه ثانية ، فأعاد عليه ثالثة فردّ عليه مثل ذلك ، فغضب وقال له : ألست القائل : كلّ حيّ عند ميتته حظَّه من ماله الكفن ثم قال : فباللَّه عليك أتريد أن تعدّ مالك كلَّه لثمن كفنك ؟ قال لا . قال : فباللَّه كم قدّرت لكفنك ؟ قال : خمسة دنانير . قال : فهي إذا حظَّك من مالك / كلَّه . قال نعم . قال : فتصدّق عليّ من غير حظَّك بدرهم واحد . قال : لو تصدّقت عليك لكان حظَّي . قال : فاعمل على أنّ دينارا من الخمسة الدنانير وضيعة [ 2 ] قيراط ، وادفع إليّ قيراطا واحدا ، وإلا فواحدة أخرى [ 3 ] . قال : وما هي ؟ قال : القبور تحفر بثلاثة دراهم ، فأعطني درهما وأقيم لك كفيلا بأنّي أحفر لك قبرك به متى متّ ، وتربح درهمين لم يكونا في حسبانك ، فإن لم أحتفر رددته على ورثتك أو ردّه كفيلي عليهم . فخجل أبو العتاهية وقال : اعزب لعنك اللَّه وغضب عليك ! فضحك جميع من حضر . ومرّ السائل يضحك ؛ فالتفت إلينا أبو العتاهية فقال : من أجل هذا وأمثاله حرّمت الصدقة . فقلنا له : ومن حرّمها ومتى حرّمت ! فما رأينا أحدا ادّعى أنّ الصدقة حرّمت قبله ولا بعده . قال محمد بن عيسى هذا : وقلت لأبي العتاهية : أتزكَّي مالك ؟ فقال : واللَّه ما أنفق على عيالي إلَّا من زكاة مالي . فقلت : سبحان اللَّه ! إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين . فقال : لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم . سئل عن أحكم شعره فأجاب : أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال : قال سليمان بن أبي شيخ قال إبراهيم بن أبي شيخ قلت لأبي العتاهية : أيّ شعر قلته أحكم ؟ قال قولي : علمت يا مجاشع بن مسعده أنّ الشّباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أيّ مفسده عاتب عمرو بن مسعدة على عدم قضاء حاجته بعد موت أخيه : أخبرني عيسى قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثنا أبو غزيّة قال :

--> [ 1 ] العيار : الكثير الطواف والذي يتردّد بلا عمل . [ 2 ] الوضيعة : الحطيطة . [ 3 ] في ب ، س : « فواحدا آخر قال وما ذلك » .