أبي الفرج الأصفهاني

271

الأغاني

قال لي هذا القول أضحكني حتّى أذهلني عن جوابه ومعاتبته ، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح اللَّه صدره للإسلام . بخله ، ونوادر مختلفة في ذلك : أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن المهديّ قال قال الجاحظ : حدّثني ثمامة قال : دخلت يوما إلى أبي العتاهية فإذا هو يأكل خبزا بلا شيء . فقلت : كأنك رأيته يأكل خبزا وحده ؛ قال : لا ! ولكنّي رأيته يتأدّم بلا شيء . فقلت : وكيف ذلك ؟ فقال : رأيت قدّامه خبزا يابسا من رقاق فطير وقدحا فيه لبن حليب ، فكان يأخذ / القطعة من الخبز فيغمسها من اللبن ويخرجها ولم تتعلَّق منه بقليل ولا كثير ؛ فقلت له : كأنك اشتهيت أن تتأدّم بلا شيء ، وما رأيت أحدا قبلك تأدّم بلا شيء . قال الجاحظ : وزعم لي بعض أصحابنا قال : دخلت على أبي العتاهية في بعض المتنزّهات ، وقد دعا عيّاشا صاحب الجسر وتهيّأ له بطعام ، وقال لغلامه : إذا وضعت قدّامهم الغداء فقدّم إليّ ثريدة [ 1 ] بخلّ وزيت . فدخلت عليه ، وإذا هو يأكل منها أكل متكمّش [ 2 ] غير منكر لشيء . فدعاني فمددت يدي معه ، فإذا بثريدة بخلّ وبزر بدلا من الزّيت . فقلت له : أتدري ما تأكل ؟ قال : نعم ثريدة بخلّ وبزر . فقلت : وما دعاك إلى هذا ؟ قال : غلط الغلام بين دبّة [ 3 ] الزيت ودبّة البزر ؛ فلمّا جاءني كرهت التجبّر وقلت : دهن كدهن ، فأكلت وما أنكرت شيئا . أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثنا عبد اللَّه بن عطيّة الكوفيّ قال حدّثنا محمد بن عيسى الخزيميّ ، وكان جار أبي العتاهية ، قال : كان لأبي العتاهية جار يلتقط النّوى ضعيف سيّء الحال متجمّل [ 4 ] عليه ثياب فكان يمرّ بأبي العتاهية طرفي النهار ؛ فيقول أبو العتاهية : اللهم أغنه عمّا هو بسبيله ، شيخ ضعيف سيّء الحال عليه ثياب متجمّل ، اللهم أعنه ، اصنع له ، بارك فيه . فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة . وو اللَّه [ 5 ] إن تصدّق عليه بدرهم ولا دانق قطَّ ، وما زاد على الدعاء شيئا . فقلت له يوما : يا أبا إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه فقير مقلّ ، فلم لا تتصدّق عليه بشيء ؟ فقال : أخشى أن يعتاد الصّدقة ، والصدقة أخر [ 6 ] كسب العبد ، وإنّ في الدعاء لخيرا كثيرا . / قال محمد بن عيسى الخزيميّ هذا : وكان لأبي العتاهية خادم أسود طويل كأنه محراك أتّون ، وكان يجري عليه في كل يوم رغيفين . فجاءني الخادم يوما فقال لي : واللَّه ما أشبع . فقلت : وكيف ذاك ؟ قال : لأنّي ما أفتر من الكدّ وهو يجري عليّ رغيفين بغير إدام . فإن رأيت أن تكلَّمه حتى يزيدني رغيفا فتؤجر ! فوعدته بذلك . فلمّا جلست معه مرّ بنا الخادم فكرهت إعلامه أنّه شكا إليّ ذلك ، فقلت له : يا أبا إسحاق ، كم تجري على هذا الخادم في كلّ

--> [ 1 ] في ب ، س : « ثردة » والثردة ( بالضم ) : الاسم من ثرد الخبز أي فته ثم بلَّه بمرق . [ 2 ] تكمش الرجل : أسرع . [ 3 ] الدبة : الوعاء للبزر والزيت . [ 4 ] المتجمل : الفقير الذي لم يظهر على نفسه المسكنة والذل . [ 5 ] في أ ، ح ، ء : « لا واللَّه » . [ 6 ] أي أرذله وأدنؤه . ويجوز مد الألف .