أبي الفرج الأصفهاني
384
الأغاني
اتهام قريش لبني هاشم : ومضى القوم ، وقد كان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة ؛ فقالوا : واللَّه لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أنّ هواكم / [ لمع ] [ 1 ] محمد ؛ فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع . وأمّا ابن الكلبيّ فإنه قال فيما حدّثت عنه : شخص طالب بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين ، أخرج كرها ، فلم يوجد في الأسرى ولا في القتلى ولم يرجع إلى أهله ، وكان شاعرا ، وهو الذي يقول : / يا ربّ إمّا يغزونّ طالب في مقنب [ 2 ] من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب وليكن المغلوب غير الغالب رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق نزول قريش بالعدوة القصوى من الوادي : قال : ومضت قريش حتّى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل . وبطن الوادي ، وهو يليل [ 3 ] ، بين بدر وبين العقنقل : الكثيب الذي خلفه قريش . والقليب ببدر من العدوة الدّنيا من بطن يليل إلى المدينة . وبعث اللَّه عزّ وجلّ السماء ، وكان الوادي دهسا [ 4 ] ، فأصاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم [ وأصحابه منها ] [ 1 ] ما لبّد لهم الأرض ولم يمنعهم المسير ، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه . فخرج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يبادرهم إلى الماء حتّى حاذى ماء من مياه بدر فنزل به . أشار الحباب بن المنذر على النبيّ برأي فاتبعه : قال ابن إسحاق : فحدّثني عشرة [ 5 ] رجال من بني سلمة ذكروا أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال : يا رسول اللَّه ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه اللَّه ليس لنا / أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : « بل هو الرأي والحرب والمكيدة » . فقال : يا رسول اللَّه ، إنّ هذا ليس لك بمنزل ، فانهض بالناس حتّى تأتي أدنى ماء من مياه القوم فتنزله ، ثم تعوّر [ 6 ] ما سواه من القلب ثم تبني عليه حوضا فتملأه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لقد أشرت بالرأي » . فنهض رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومن معه من الناس حتّى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ، ثم أمر بالقلب فعوّرت [ 7 ] وبنوا حوضا على القليب الذي نزل عليه فملىء ، ماء ثم قذفوا فيه الآنية .
--> [ 1 ] الزيادة عن « السيرة لابن هشام » ( ج 1 ص 438 طبع أوروبا ) . [ 2 ] المقنب : جماعة الخيل والفرسان ، وقيل : هي دون المائة . [ 3 ] يليل ( بتكرير الياء المفتوحة ) : اسم واد يدفع في بدر . وفي « معجم ما استعجم » ( في الكلام على رضوى ) : « ووادي ينبع يليل يصب في غيقة » . وفي الأصول : « تليل » بالتاء المثناة من فوق في أوّله ، وهو تصحيف . [ 4 ] الدهس : هو كل لين سهل لا يبلغ أن يكون رملا وليس بتراب ولا طين كالدّهاس ، وقيل أيضا : الأرض السهلة يثقل فيها المشي . [ 5 ] في « السيرة » : « قال ابن إسحاق : فحدّثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا إلخ » . [ 6 ] كذا في الطبري و « السيرة » . وعوّر العين أو القليب : طمّه وردمه . وفي الأصول : « تغوّر » بالغين المعجمة ، وهو تصحيف . [ 7 ] كذا في « السيرة » والطبري . وفي الأصول : « فغوّرت » بالغين المعجمة .