أبي الفرج الأصفهاني
55
الأغاني
إذا حلَّت بأرض بني عليّ وأهلي بين إمّرة [ 1 ] وكير ذكرت منازلا من أمّ وهب محلّ الحيّ أسفل من نقير [ 2 ] وأحدث معهد [ 3 ] من أمّ وهب معرّسنا بدار بني النّضير وقالوا ما تشاء فقلت ألهو إلى الأصباح آثر ذي أثير [ 4 ] بآنسة الحديث رضاب فيها بعيد النوم كالعنب العصير وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابيّ بهذه الحكاية كما ذكر أبو عمرو ، وقال فيها : إنّ قومها أغلوا بها الفداء ، وكان معه طلق وجبار أخوه وابن عمه ، فقالا له : واللَّه لئن قبلت ما أعطوك لا تفتقر أبدا ، وأنت على النساء قادر / متى شئت ، وكان قد سكر فأجاب إلى فدائها ، فلما صحا ندم فشهدوا [ 5 ] عليه بالفداء فلم يقدر على الامتناع . وجاءت سلمى تثني عليه فقالت : واللَّه إنك ما علمت لضحوك مقبلا كسوب مدبرا خفيف على متن الفرس [ 6 ] ثقيل على العدوّ [ 7 ] طويل العماد كثير الرّماد راضي الأهل والجانب [ 8 ] ، فاستوص ببنيك خيرا ، ثم فارقته . فتزوّجها رجل من بني عمّها ، فقال لها يوما من الأيام : يا سلمى ، أثني عليّ كما أثنيت على عروة - وقد كان قولها فيه شهر - فقالت له : لا تكلَّفني ذلك فإني إن قلت الحقّ غضبت ولا واللَّات والعزّى لا أكذب ؛ فقال : عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين عليّ بما تعلمين ، وخرج فجلس في نديّ القوم ، وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم ، فوقفت عليهم وقالت : أنعموا صباحا ، إنّ هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم . ثم أقبلت عليه فقالت : واللَّه إنّ شملتك لالتحاف ، وإنّ شربك لاشتفاف [ 9 ] ، وإنك لتنام ليلة تخاف ، وتشبع ليلة تضاف ، وما ترضي الأهل ولا الجانب ، ثم انصرفت . فلامه قومه وقالوا : ما كان أغناك عن هذا القول منها . كان يجمع الصعاليك ويكرمهم ويغير بهم : أخبرني الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال حدّثني أبو فقعس قال : كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سنة شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف ، وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدّة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف [ 10 ] ويكسبهم [ 11 ] ، ومن / قوي منهم - إما مريض يبرأ من مرضه ، أو ضعيف تثوب قوّته - خرج به معه فأغار ، وجعل
--> [ 1 ] كذا في ح ، وهو الموافق لما في « معجم ياقوت » من أن إمرة منزل في طريق مكة من البصرة وهو منهل . وفي سائر الأصول : « زامرة » وهو تحريف . وكير : جبلان في أرض غطفان . [ 2 ] نقير : موضع بين هجر والبصرة . ورواية « ياقوت » « أسفل ذي النقير » . [ 3 ] كذا في ط ، ء ، ح . وفي سائر النسخ : « معهدا » . [ 4 ] آثر ذي أثير : أول كل شيء ، يقال : افعل هذا آثرا ما وآثر ذي أثير أي قدّمه على كل عمل . [ 5 ] في أ ، م « فشهدا » بألف التثنية . [ 6 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر النسخ : « الفراش » . [ 7 ] في ب ، س ، ح : « على ظهر العدوّ » . [ 8 ] الجانب : الغريب والمراد به الضيف . [ 9 ] الاشتفاف : شرب كل ما في الإناء . [ 10 ] يكنف عليهم الكنف : يتخذ لهم حظائر يؤويهم إليها ، واحدها « كنيف » . [ 11 ] كذا في ط ، ء ، يقال كسب لأهله : طلب المعيشة ويتعدّى بنفسه إلى مفعول ثان كما هنا . وفي سائر النسخ : « يكسيهم » بالياء المثناة