أبي الفرج الأصفهاني
56
الأغاني
لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا ، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السّنة ألحق كلّ إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها ، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى ، فلذلك سمّي عروة الصعاليك ، فقال في ذلك [ 1 ] بعض السنين وقد ضاقت حاله : لعلّ ارتيادي [ 2 ] في البلاد وبغيتي وشدّي حيازيم المطيّة بالرّحل سيدفعني يوما إلى ربّ هجمة [ 3 ] يدافع عنها بالعقوق وبالبخل أغار مع جماعة من قومه على رجل فأخذ إبله وامرأته ثم اختلف معهم فهجاهم : فزعموا أن اللَّه عز وجل قيّض له وهو مع قوم من هلَّاك [ 4 ] عشيرته في شتاء شديد ناقتين دهماوين ، فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى ، وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان ، وكان بين النّقرة [ 5 ] والرّبذة [ 6 ] فنزل بهم ما بينهما بموضع يقال له : ماوان [ 7 ] . ثم إن اللَّه عز وجل قيّض له رجلا صاحب مائة من الإبل قد فرّ بها من حقوق [ 8 ] قومه - وذلك أوّل ما ألبن الناس - فقتله وأخذ إبله وامرأته ، وكانت من أحسن النساء ، فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها لهم وحملهم عليها ، حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم ، فقالوا : لا [ 9 ] واللات / والعزّى لا نرضى حتى تجعل المرأة نصيبا فمن شاء أخذها ، فجعل يهمّ بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم ، ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع ، فأفكر طويلا ثم أجابهم إلى أن يردّ عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله ، فأبوا ذلك عليه ، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه ؛ فقال عروة في ذلك قصيدته التي أوّلها : ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم كما الناس لمّا أمرعوا وتموّلوا وإني لمدفوع إليّ ولاؤهم بماوان إذ نمشي وإذ نتململ وإنّي وإيّاهم كذي الأمّ أرهنت [ 10 ] له ماء عينيها تفدّي وتحمل [ 11 ]
--> ( ) وهو تحريف . [ 1 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر النسخ : « فقال في بعض السنين إلخ » . [ 2 ] في « ديوان الحماسة » : لعل انطلاقي في البلاد ورحلتي [ 3 ] الهجمة من الإبل : أوّلها أربعون إلى ما زادت أو ما بين السبعين إلى المائة أو إلى دوينها فإذا بلغت المائة فهي « هنيدة » . [ 4 ] كذا في أكثر النسخ والهلاك : الصعاليك . وفي ب ، س ، ح : « هلال » بلامين وهو تحريف . [ 5 ] النقرة - بفتح أوّله وسكون ثانيه أو بفتح أوّله وكسر ثانيه - : من منازل حاج الكوفة بين أضاخ وماوان . [ 6 ] الربذة : من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من قيد تريد مكة ، وبها قبر أبي ذر الغفاري . [ 7 ] ماوان : قرية في أودية العلاة من أرض اليمامة . [ 8 ] في « شرح الحماسة » : « عقوق » بالعين . [ 9 ] كذا في ب ، س ، ح ، بإثبات « لا » وقد سقطت من باقي النسخ . [ 10 ] أرهنت : أدامت ، وقد جاء في « ديوان الحماسة » ص 230 طبع أوروبا شرحا لهذا البيت ما نصه : وهذا مثل ، تقول المرأة لولدها ربيتك ماء عيني فضلا عن كل شيء . [ 11 ] في « ديوان الحماسة » « تجمل » أي ترفق .