أبي الفرج الأصفهاني

409

الأغاني

جائزة وأكرمه ، وتوثّق منه ألَّا يخبر كسرى إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه . فرجع الرسول إلى كسرى ، وقال : إنّي وجدت عديّا قد مات قبل أن أدخل عليه . وندم النعمان على قتل عديّ وعرف أنه احتيل عليه في أمره ، واجترأ عليه وهابهم هيبة شديدة . مدح النعمان لدى كسرى زيد بن عديّ فاتخذه كاتبا ثم إنه خرج إلى صيده ذات يوم فلقي ابنا لعديّ يقال له زيد ، فلما رآه عرف شبهه ، فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا زيد بن عديّ بن زيد ، فكلَّمه فإذا غلام ظريف ، ففرح به فرحا شديدا وقرّبه وأعطاه ووصله واعتذر إليه من أمر أبيه وجهّزه [ 1 ] ، ثم كتب إلى كسرى : إنّ عديّا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبّه ، فأصابه ما لا بدّ منه وانقطعت مدّته وانقضى أجله ، ولم يصب به أحد أشدّ من مصيبتي ، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل اللَّه له منه خلفا لما عظَّم اللَّه من ملكه وشأنه ، وقد بلغ ابن له ليس بدونه ، رأيته يصلح لخدمة الملك فسرّحته إليه ، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل وليصرف عمّه عن ذلك إلى عمل أخر . وكان هو / الذي يلي / المكاتبة عن الملك إلى ملوك العرب في أمورها وفي خواصّ أمور الملك . وكانت له من العرب وظيفة موظَّفة في كل سنة : مهران أشقران يجعلان له هلاما [ 2 ] ، والكمأة الرّطبة في حينها واليابسة والأقط والأدم وسائر تجارات العرب ، فكان زيد بن عديّ يلي ذلك له وكان هذا عمل عديّ . فلما وقع زيد بن عديّ عند الملك هذا الموقع سأله كسرى عن النعمان ، فأحسن الثناء عليه . ومكث على ذلك سنوات على الأمر الذي كان أبوه عليه . وأعجب به كسرى ، فكان يكثر الدخول عليه والخدمة له . كيد زيد بن عديّ للنعمان عند كسرى حتى غضب عليه فقتله وكانت لملوك العجم صفة من النساء مكتوبة عندهم ، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة ، فإذا وجدت حملت إلى الملك ، غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب ولا يظنونها عندهم . ثم إنه بدا للملك في طلب تلك الصفة ، وأمر فكتب بها إلى النواحي ، ودخل إليه زيد بن عديّ وهو في ذلك القول ، فخاطبه فيما دخل إليه فيه ، ثم قال : إني رأيت الملك قد كتب في نسوة يطلبن له وقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عارفا ، وعند عبدك النعمان من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة ، قال : فاكتب فيهنّ ، قال : أيها الملك ، إنّ شرّ شيء في العرب وفي النعمان خاصّة أنهم يتكرّمون - زعموا في أنفسهم - عن العجم ، فأنا أكره أن يغيبهنّ عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهنّ ، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك ، فابعثني وابعث معي رجلا من ثقاتك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبّه ، فبعث معه رجلا جلدا فهما ، فخرج به زيد ، فجعل يكرم الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة ، فلما دخل عليه أعظم الملك وقال : إنه قد احتاج إلى نساء لنفسه وولده وأهل بيته ، وأراد كرامتك بصهره فبعث إليك ، فقال : ما هؤلاء النّسوة ؟ / فقال : هذه صفتهنّ قد جئنا بها . وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر بن أبي شمر الغسّانيّ ، فكتب إلى أنوشروان بصفتها ، وقال : إني قد وجّهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق ، نقيّة اللون والثغر ، بيضاء قمراء

--> [ 1 ] جهزه : أعدّ له معدّات السفر . [ 2 ] كذا في جميع الأصول و « شعراء النصرانية » . والهلام كغراب : مرق السّكباج المبرّد المصفّى من الدهن : والسكباج : لحم يطبخ بخل .