أبي الفرج الأصفهاني

404

الأغاني

لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصّان بالماء اعتصاري [ 1 ] ليت شعري عن دخيل يفتري حيثما أدرك ليلي ونهاري قاعدا يكرب [ 2 ] نفسي بثّها وحراما كان سجني واحتصاري [ 3 ] أجل [ 4 ] نعمى ربّها [ 5 ] أوّلكم ودنوّي كان منكم واصطهاري [ 6 ] / في قصائد كثيرة كان يقولها فيه ، ويكتب بها إليه فلا تغني عنده شيئا . ( هذه [ 7 ] رواية الكلبيّ ) . رواية المفضل الضبي في سبب حبس النعمان عديّ بن زيد وأما المفضّل الضّبّيّ فإنه ذكر أن عديّ بن زيد لما قدم على النعمان صادفه لا مال ولا أثاث ولا ما يصلح لملك ، وكان آدم إخوته منظرا وكلَّهم أكثر مالا منه ، فقال له عديّ : كيف أصنع بك ولا مال عندك ! فقال له النعمان : ما أعرف لك حيلة إلا ما تعرفه أنت ، فقال له : قم بنا نمض إلى ابن قردس [ 8 ] - رجل من أهل الحيرة من دومة - فأتياه ليقترضا منه مالا ، فأبى أن يقرضهما وقال : ما عندي شيء ، فأتيا جابر بن شمعون وهو الأسقفّ أحد بني الأوس بن قلَّام بن بطين بن جمهير [ 9 ] بن لحيان من بني الحارث بن كعب فاستقرضا منه مالا ، فأنزلهما عنده ثلاثة أيام يذبح لهم ويسقيهم الخمر ، فلما كان في اليوم الرابع قال لهما : ما تريدان ؟ فقال له عديّ : تقرضنا أربعين ألف درهم يستعين بها النعمان على أمره عند كسرى ، فقال : لكما عندي ثمانون ألفا ، ثم أعطاهما إياها ، فقال النعمان لجابر : لا جرم [ 10 ] لا جرى لي درهم إلَّا على يديك إن أنا ملكت . قال : وجابر هو صاحب القصر الأبيض

--> [ 1 ] قال الجوهري : الاعتصار : أن يغصّ الإنسان بالطعام فيعتصر بالماء ، وهو أن يشربه قليلا قليلا ليسيغه ، وأنشد هذا البيت . قال البغدادي في « الخزانة » ج 3 ص 596 : وتحقيقه أن الاعتصار الالتجاء ، كما قاله أبو القاسم علي بن حمزة البصري فيما كتبه على النبات لأبي حنيفة الدينوري . وساق البغداديّ كلام أبي القاسم هذا بنصّه ، ثم قال : وقد صار البيت مثلا للتأذي ممن يرجى إحسانه . وقد أورد الميداني في « مجمع الأمثال » المثل : « لو بغير الماء غصصت » وقال : إنه يضرب لمن يوثق به ثم يؤتى الواثق من قبله ، واستشهد بهذا البيت . [ 2 ] يكرب نفسي بثها : يشتدّ عليها حزنها . [ 3 ] كذا في أغلب النسخ و « شعراء النصرانية » طبع بيروت ص 454 و « معاهد التنصيص » شرح « شواهد التلخيص » طبع بولاق ص 143 ، والظاهر من سياق الشعر أن المراد الحصر بمعنى الحبس . ولم نجد في « كتب اللغة » هذه الصيغة بهذا المعنى سوى ما في قولهم : احتصر البعير أي شدّة بالحصار وهو كساء يجعل حول سنامه ، أو مركب يركب به الراضة ، أو وسادة تلقى عليه ويرفع مؤخرها فتجعل كآخرة الرحل ويحشي مقدّمها فتكون كقادمة الرحل . وفي ح : « واحتقاري » بالقاف . ويحتمل أن تكون كلتا النسختين محرفتين عن : « واحتضاري » بمعنى موتي . [ 4 ] أجل ( بفتح الهمزة وكسرها ) : كلمة تستعمل للتعليل ، وفي حديث المناجاة : « أجل أن يحزنه » أي من أجله ولأجله . وفي حديث آخر : « أن تقتل ولدك أجل أن يأكل معك » . [ 5 ] ربها : رباها ونماها وتعهدها . [ 6 ] كذا في جميع النسخ والظاهر أن الشاعر يريد المصاهرة ، وسيأتي هذا البيت بهذا النص بعد في صفحة 133 عقب رواية « الأغاني » أن عديّ بن زيد كان زوج هند أخت النعمان أو بنته ، وأن عديا ذكر صهره هذا في قصائده . ولكننا لم نجد في « كتب اللغة » التي بأيدينا لاصطهر معنى سوى ما جاء في قولهم : اصطهره أي أذابه وأكله . ولو قال : « وصهارى » لصح المعنى واتّزن البيت أيضا . [ 7 ] هذه الجملة وقعت في ب ، س عقب الأبيات مباشرة وقبل قوله « في قصائد كثيرة » . [ 8 ] كذا وقع هذا الاسم في ب ، س ، ح بالقاف . وجاء في أ ، م : « فردس » بالفاء . ولم نهتد إلى تصحيحه . [ 9 ] كذا في ب ، س . وفي ح ، أ ، م : « جميهير » بصيغة التصغير . [ 10 ] تستعمل هذه الكلمة في الأصل بمعنى لا بدّ ولا محالة ، وكثر استعمالها في هذا المعنى حتى تحوّلت إلى معنى القسم . قال صاحب « اللسان » في مادة جرم : والعرب تقول : لا جرم لآتينّك ، ولا جرم لقد أحسنت ، فتراها بمنزلة اليمين .