أبي الفرج الأصفهاني

587

الأغاني

معه ومضى نحو حجرته وتبعته ، فالتفت إليّ فقال : ادخل ، فدخلت معه ، / فإذا حجلة [ 1 ] ، وإنها لأوّل حجلة رأيتها لأمير [ 2 ] ، فقمت ودخل الحجلة فسمعت حركة ، فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف ، فإذا جارية قد خرجت فقالت : يا شعبيّ ، إنّ الأمير يأمرك أن تجلس ، فجلست على وسادة ورفع سجف الحجلة ، فإذا أنا بمصعب بن الزّبير ، ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة ، قال : فلم أر زوجا قطَّ كان أجمل منهما : مصعب وعائشة ، فقال مصعب : يا شعبيّ ، هل تعرف هذه ؟ فقلت : نعم أصلح اللَّه الأمير ، قال : ومن هي ؟ قلت : سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة ؛ قال : لا ، ولكن هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر : وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربي وذكر البيتين . ثم قال : إذا شئت فقم ، فقمت . فلما كان العشيّ رحت وإذا هو جالس على سريره في المسجد فسلَّمت ، فلما رآني قال لي : ادن ، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه ، فأصغى [ 3 ] إليّ فقال : هل رأيت مثل ذلك لإنسان [ 4 ] قطَّ ؟ قلت : لا واللَّه ؛ قال : أفتدري لم أدخلناك ؟ قلت : لا ، قال : لتحدّث بما رأيت . ثم التفت إلى عبد اللَّه بن أبي فروة فقال : أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا ، فما انصرف يومئذ أحد بمثل ما انصرفت به ، بعشرة آلاف درهم وبمثل كارة [ 5 ] القصّار ثيابا وبنظرة من عائشة بنت طلحة . عائشة بنت طلحة وأزواجها قال : وكانت عائشة عند عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبا عذرتها [ 6 ] ثم هلك ، فتزوّجها مصعب فقتل عنها ، ثم تزوّجها عمر / بن عبيد اللَّه بن معمر فبنى بالحيرة ، ومهّدت له يوم عرسه فرش لم ير مثلها : سبع أذرع في عرض أربع ، فانصرف تلك الليلة عن سبع مرّات ؛ فلقيته مولاة لها حين أصبح فقالت : يا أبا حفص ، كملت في كل شيء حتى في هذا . فلما مات ناحت عليه وهي قائمة ، ولم تنح على أحد منهم قائمة - وكانت العرب إذا ناحت المرأة قائمة على زوجها علم أنّها لا تريد أن تتزوّج بعده - فقيل لها : يا عائشة ، ما صنعت هذا بأحد من أزواجك ! قالت : إنّه كان فيه خلال [ 7 ] ثلاث لم تكن في أحد منهم : كان سيّد بني تيم ، وكان أقرب القوم بي قرابة ، وأردت ألَّا أتزوّج بعده ! ! . وأخبرني بخبر مصعب والشّعبيّ وعائشة أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال أخبرنا محمد بن الحكم عن عوانة قال : خرج مصعب بن الزّبير من دار الإمارة يريد دار موسى بن طلحة ، فمرّ بالمسجد فأخذ بيد الشّعبيّ . ثم ذكر

--> [ 1 ] الحجلة ( بالتحريك ) : مثل القبة ، وحجلة العروس : بيت يزين بالثياب والأسرة والستور . [ 2 ] ولاه أخوه عبد اللَّه العراقين فتولاهما حتى سار إليه عبد الملك بن مروان ووجه أخاه محمد بن مروان على مقدّمته فلقيه مصعب فقاتله حتى قتل . [ 3 ] أصغى : أمال رأسه . [ 4 ] في ط : « ذلك الانسان » . [ 5 ] الكارة من الثياب : ما يجمع ويشدّ ، وكارة القصار سميت بذلك لأنه يكور ثيابه في ثوب واحد ويحملها فيكون بعضها فوق بعض . [ 6 ] العذرة ( بالضم ) : البكارة ، يريد أنه أوّل من تزوّجها . [ 7 ] في ح : « خصال » .