أبي الفرج الأصفهاني
494
الأغاني
كان عبد الرحمن بن سيحان المحاربيّ شاعرا ، وكان حلو الأحاديث ، عنده أحاديث حسنة غريبة من أخبار العرب وأيامها وأشعارها ، وكان على ذلك يصيب من الشراب ، فكان كلّ من قدم من ولاة بني أميّة وأحداثهم ممّن يصيب الشراب يدعوه وينادمه ، فلمّا ولي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعزل مروان وجد مروان / في نفسه وكان قد سبعه [ 1 ] ، فحقد عليه مروان واضطغنه ، وكان الوليد يصيب من الشراب ويبعث إلى ابن سيحان فيشرب معه ، وابن سيحان لا يظنّ أنّ مروان يفعل به الذي فعله ، وقد كان مدحه ابن سيحان ووصله مروان ، ولكنّ مروان أراد فضيحة الوليد ، فرصده ليلة في المسجد ، وكان ابن سيحان يخرج في السّحر من عند الوليد ثملا فيمرّ في المقصورة من المسجد حتّى يخرج في زقاق عاصم ، وكان محمد بن عمرو يبيت في المسجد يصلَّي ، وكذلك عبد اللَّه بن حنظلة وغيرهما من القرّاء يبيتون في المسجد يتهجّدون ، فلمّا خرج ابن سيحان ثملا من دار الوليد أخذه مروان وأعوانه ، ثمّ دعا له محمد بن عمرو وعبد اللَّه بن حنظلة فأشهدهما على سكره وقد سأله أن يقرأ أمّ القرآن فلم يقرأها ، فدفعه إلى صاحب شرطته [ 2 ] فحبسه ؛ فلمّا أصبح الوليد بلغه الخبر وشاع في المدينة وعلم أنّ مروان إنّما أراد أن يفضحه ، وأنّه لو لقي ابن سيحان ثملا خارجا من عند غيره لم يعرض له ، فقال الوليد : لا يبرّئني من هذا عند أهل المدينة إلَّا ضرب ابن سيحان ، فأمر صاحب شرطته [ 2 ] فضربه الحدّ ثم أرسله . مكث في بيته استحياء فحمله عبد الرحمن بن الحارث على الخروج إلى المسجد فجلس ابن سيحان في بيته لا يخرج حياء من الناس ، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في ولده وكان له جليسا فقال له : ما يجلسك في بيتك ؟ قال : الاستحياء من الناس ؛ قال : اخرج أيها / الرجل ، وكان عبد الرحمن قد حمل له معه كسوة ، فقال له : ألبسها ورح معنا إلى المسجد فهذا أحرى أن يكذّب به مكذّب ، ثم ترحل إلى أمير المؤمنين فتخبره بما صنع بك الوليد فإنّه يصلك ويبطل هذا الحدّ عنك ؛ فراح مع عبد الرحمن في جماعة ولده متوسّطا لهم حتى دخل المسجد فصلَّى ركعتين ، ثم تساند مع عبد الرحمن إلى الأسطوانة ؛ فقائل يقول : لم يضرب ، وقائل / يقول : رحل إلى معاوية وشفع فيه يزيد فعفا عنه وكتب بذلك إلى الوليد أنا رأيته يضرب ، وقائل يقول : عزّر أسواطا . فمكث أياما ثم رحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشرب معه ، وكلَّم يزيد أباه معاوية في أمره فدعا به فأخبره بقصّته وما صنعه به مروان ، فقال : قبّح اللَّه الوليد ما أضعف عقله ! أما استحيا من ضربك فيما شرب ! وأمّا مروان فإنّي كنت لا أحسبه يبلغ هذا منك مع رأيك فيه ومودّتك له ، ولكنّه أراد أن يضع الوليد عندي ولم يصب ، وقد صيّر نفسه في حدّ كنّا ننزّهه عنه ، صار شرطيا ! ثم قال لكاتبه : اكتب : « بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللَّه معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة . أمّا بعد ، فالعجب لضربك ابن سيحان فيما تشرب منه ، ما زدت على أن عرّفت أهل المدينة ما كنت تشربه مما حرّم عليك ، فإذا جاءك كتابي هذا فأبطل الحدّ عن ابن سيحان ، وطف به في حلق المسجد وأخبرهم أنّ صاحب شرطك تعدّى عليه وظلمه ، وأنّ أمير المؤمنين قد
--> [ 1 ] كذا في ح . وسبعه : طعن عليه وعابه وشتمه ووقع فيه بالقول القبيح . وفي ب ، س ، ء ، ط : « شعثه » ولم نجد لشعث مخففا أو مضعفا معنى يناسب المقام . وفي م : « سغنه » ولا معنى لها . [ 2 ] في ط : « شرطه » .