أبي الفرج الأصفهاني

484

الأغاني

غنى من قصر ذي خشب ورأى نسوة يمشين فاتجه نحوهن فسقط فمات أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه ، وأخبرني به الحسن بن عليّ عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات عن حمّاد عن أبيه عن يعقوب بن طلحة اللَّيثيّ عن بعض مشايخه من أهل المدينة قال : أقبل ابن عائشة من الشام حتى نزل قصر ذي خشب [ 1 ] ومعه مال وطيب وكسا [ 2 ] فشرب فيه ، ثم تطرّقوا [ 3 ] إلى ظهر القصر فصعدوا ، ثم نظر فإذا بنسوة يتمشّين في ناحية الوادي ، فقال لأصحابه : هل لكم فيهنّ ؟ قالوا : وكيف لنا بهنّ ؟ فنهض فلبس ملاءة [ 4 ] مدلوكة ، ثم قام على شرفة [ 5 ] من شرفات القصر فتغنّى : وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا فأقبلن إليه فطرب واستدار حتى سقط من السطح ؛ وهذا الخبر يذكر على شرحه في خبر وفاته . كان يغني بشعر الحطيئة ويقول أنا عاشق له أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد : قرأت على أبي عن محمد بن سلَّام عن جرير أبي الحصين قال : كان ابن عائشة إذا غنّى في [ 6 ] صوت له من شعر الحطيئة وهو : عفا من سليمى مسحلان فحامره نظر إلى أعطافه في كلّ رنّة ، فسئل يوما - وقد دبّ فيه / الشراب - عن ذلك ، فقال : أنا عاشق لهذا الصوت ، وعاشق لحديثه ، وعاشق لغريبه ، وعاشق لقول الحطيئة ، إنّ الغناء رقية من رقى النّيك ، ويعجبني فهم الحطيئة بالغناء وليس هو من أهله ولا بصاحب غناء ، وكيف لا أعجب به ومحلَّه منّي هذا المحلّ ! وكان لا يسأله أحد إيّاه إلَّا غنّاه ، فمن فطن له أكثر سؤاله إيّاه . وكان جرير يقول : إنه أحسن صوت له وأرقّه وأجوده . وفاة بن عائشة توفي في خلافة الوليد بن يزيد وتوفّي ابن عائشة فيما قيل في أيّام هشام بن عبد الملك ، وقيل في أيّام الوليد . وما أظنّ الصحيح إلَّا أنه توفّي في أيام الوليد ، لأنه أقدمه إليه . وذكر من زعم أنّه توفّي في خلافة هشام : أنّه إنّما وفد على الوليد وهو وليّ عهد . قيل إن الغمر بن يزيد أمره بالغناء فأبى فأمر برميه من السطح فمات أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال :

--> [ 1 ] ذو خشب : واد على مسيرة ليلة من المدينة في طريق الشأم . [ 2 ] كسا بالضم : جمع كسوة . [ 3 ] تطرقوا : ابتغوا إليه طريقا . [ 4 ] الملاءة : الملحفة ، ومدلوكة : مصقولة رقيقة . [ 5 ] كذا في ح والشرفة : ما يبنى على الحائط منفصلا بعضه عن بعض على هيئة معروفة . وفي سائر النسخ « شرافة » بالألف . وهو تحريف . [ 6 ] كذا في ط . وفي باقي الأصول : « من » .