ابن كثير

315

قصص الأنبياء

يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون ، أي في ظلمة الليل ; ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم . " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا " أي ثيابنا " فأكله الذئب " أي في غيبتنا عنه في استباقنا . وقولهم " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " أي وما أنت بمصدق لمنا في الذي أخبرناك من ( 1 ) أكل الذئب له ، ولو كنا غير متهمين عندك . فكيف وأنت تتهمنا في هذا ؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب ، وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله ، فصرنا غير مصدقين عندك ، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه . " وجاءوا على قميصه يدم كذب " أي مكذوب مفتعل ; لأنهم عمدوا إلى سخلة ( 2 ) ذبحوها ، فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ، ليوهموه أن أكله الذئب . قالوا : ونسوا أن يخرقوه ، وآفة الكذب النسيان ! ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم ; فإنه كان يفهم عداوتهم له ، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم ، لما كان يتوسم فيه من ( 3 ) الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره ، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته . ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه ، وغيبوه عن عينيه وجاءوا وهم يتباكون ، وعلى ما تمالاوا يتواطأون . ولهذا " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل * والله المستعان على ما تصفون " .

--> ( 1 ) ا : في ( 2 ) السخلة : ولد الشاة ( 3 ) ا من المهابة والجلالة