ابن قتيبة الدينوري

49

عيون الأخبار

أمّتاه ، أخشى من الشيخ أن يدنّس ثيابي ، ويبلي شبابي ، ويشمت بي أترابي ؛ فلم تزل بها حتى غلبتها على رأيها ؛ فتزوّج بها الحارث ثم رحل بها إلى قومه ؛ فإنه لجالس ذات يوم بفناء مظلَّته وهي إلى جانبه ، إذ أقبل شباب من بني أسد يعتلجون ( 1 ) ، فتنفّست ثم بكت ؛ فقال لها : ما يبكيك ؟ قالت : مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ ! ؛ فقال : ثكلتك أمّك « تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها » ( 2 ) - فذهبت مثلا - . أما وأبيك لربّ غارة شهدتها ، وسبيّة أردفتها ، وخمرة شربتها ؛ فالحقي بأهلك ، لا حاجة لي فيك . الرّياشيّ قال : خرج رجل إلى الغزو فأصاب جارية وضيئة ، وكان يغزو على فرسه ويرجع إليها ، فوجد يوما فضلا من القول فقال : [ طويل ] ألا لا أبالي اليوم ما فعلت هند * إذا بقيت عندي الحمامة والورد ( 3 ) شديد مناط المنكبين إذا جرى * وبيضاء صنهاجيّة زانها العقد ( 4 ) فهذا لأيّام الحروب وهذه * لحاجة نفسي حين ينصرف الجند فنمي الشعر إليها فقالت : [ طويل ] ألا أقره منّي السلام وقلّ له * غنينا وأغنتنا غطارفة المرد ( 5 ) بحمد أمير المؤمنين أقرّهم * شبابا وأغزاكم حواقلة الجند ( 6 ) إذا شئت غنّاني رفلّ مرجّل * ونازعني في ماء معتصر ورد ( 7 )

--> ( 1 ) يعتلجون : يتصارعون . ( 2 ) « أي لا تكون ظئرا وإن آذاها الجوع » . ( 3 ) الورد : كناية عن حصانه . ( 4 ) صنهاجية : نسبة إلى صنهاج مدينة بفارس . ( 5 ) الغطارفة : جمع غطريق وهو الشاب الجميل أو السخيّ السّري والأفرد : في أوّل شبابه . ( 6 ) الحواقلة : جمع حوقل وهو الرجل المسن . * ( 7 ) الرّفلّ : الطويل الذيل من الناس ، والمرجل : المسرّح الشعر .