الجاحظ
228
العثمانية
قد كانوا أكثروا من قولهم : أرضيتم معشر بنى عبد مناف أن تلى عليكم تيم ؟ ! وأراد في أول مقام قامه أن يعلمهم [ أن ] ذلك المقام لا ينال بأن يكون صاحبه خير الناس حسبا ومركبا ، إنما ينال بأن يكون خير الناس علما وعملا . وأما غيرهما فزعم أن من عادة الخائفين الوجلين المشفقين أن يقول الرجل منهم : كل أحد خير منى ؟ ثم يبكى على تضييعه ، ويستعظم صغير ذنوبه كأنه ليس في الأرض مذنب سواه ، وأكثر ما يقول ذلك عند ذكر بعض ذنوبه أو عند بعض ما يعارضه به الشيطان والانسان ، من تزكيته وتقريظه وإظهار تفضيله لنفسه وإحسانه ، والعجب ( 1 ) بحاله . لأنه ليس بعد أن يرى العبد أن ذنبه من قبل ربه مذهب هو أعظم من استكبار الطاعة واستصغار المعصية . فعند ذلك يعارضه المؤمن بتقريع نفسه وتأنيبها ، وتوقيفها على ما فرط منها ، وتذكيرها مساويها ، واستعظام كل ما كان من تقصيرها وإساءتها ، واستصغار كل ما كان من عظيم إحسانها وطاعتها ، فيقول : كل أحد خير منى . وما أشبه من الكلام . وهذا الضرب من اللفظ ، إذا كان على هذا الوجه فليس في مجرى الكذب وقول الزور ، وإن كان القائل : " كل أحد خير منى " خيرا من كل أحد . فكأن أبا بكر لما خطب الناس وقام مقام رسول الله صلى الله عليه ، وسلم عليه المهاجرون والأنصار وعلية قريش وسادة العرب قياما على أقدامهم ، وصفوفا على مراتبهم ، يقولون : السلام عليك يا خليفة رسول الله
--> ( 1 ) في الأصل : " وليعجب "