الجاحظ
229
العثمانية
وألقيت إليه أزمة الأمور ، وأعطوه المقادة ، وأسمحت نفوسهم له بالطاعة وقد صرفوها عن القرابة وعن أهل الشرف ، رأى بسطة عيشه ( 1 ) من عز الخلافة وبأو الإمامة ، ما لا يعرف قدره غيره ، ولا تأتى الصفة على كنهه ، وللشيطان ( 2 ) هناك مداخل ومخاتل ، ودس وتحريك وطمع ، ليس يقوى بشرى على دفع تلك الفتنة ، وتسكين تلك الحركة ، والنهوض بتلك المحنة ، إلا بغاية الزري على النفس والهضم لها . والبخس والتخون منها ، وتناسى ذكر جميع محاسنها ، واجتلاب ذكر جميع مساويها . فبالحري إذا صنع ذلك أن يرد من غربه وطوائع نفسه ، وحركة همته ، وانتشار عزمه ، وانتقاض مرته . وهذه حال لا يمتحن بها إلا الخلفاء ، ولا يختبر بها إلا الأئمة الهدى ، لان معهم من قوة المنن ومن فضول الأحلام ، وشدة الورع وكثرة العلم ، وثبات النفس ، والمعرفة بما أداه الطائع ، وإماتة الشهوات ، وقمع . . . ما يقام به موريه ( 3 ) مكايد الشيطان وتعظيم الانسان ، وعز السلطان ، والنفس لا تسمح بإعطاء ما عليها حتى تمنعها مالها . وإن كان قول أبى بكر : " وليتكم ولست بخيركم " إنما أراد به مداواة قلبه ، والزري على نفسه فليس بكذب وإن كان خيرهم ، إذ كان إنما أراد إصلاح قلبه ، وعلاج دائه ، والبعد من تقرير القوم بنقصهم عن فضله ، والفخر عليهم بتبريزه . فإنما أراد أن يكون سبيله سبيل من يظهر التعلم إذا علم ، وسبيل من يتواضع إذا عظم . فجمع بذلك حسن الأدب ، والبعد
--> ( 1 ) في الأصل : " واسطه عنبسة " . ( 2 ) في الأصل : " والشيطان . ( 3 ) كذا وردت هذه العبارة ناقصة محرفة .