السرخسي

291

أصول السرخسي

وجه الله ، ووجه الله لا جهة له ، فجعل الشرع استقبال جهة الكعبة قائما مقام ما هو المطلوب لأداء هذه القربة . وأصل الايمان فيه تقرب إلى الله تعالى بلا واسطة ، وفي الصلاة تقرب بواسطة البيت فكانت من شرائع الايمان لا من نفس الايمان . ثم الزكاة التي تؤدي بأحد نوعي النعمة وهو المال ، فالنعم الدنيوية نعمتان : نعمة البدن ، ونعمة المال ، والعبادات مشروعة لاظهار شكر النعمة بها في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة ، فكما أن شكر نعمة البدن بعبادة تؤدي بجميع البدن وهي الصلاة ، فشكر نعمة المال بعبادة مؤداة بجنس تلك النعمة ، وإنما صار الأداء قربة بواسطة المصروف إليه وهو المحتاج ، على معنى أن المؤدي يجعل ذلك المال خالصا لله تعالى في ضمن صرفه إلى المحتاج ليكون كفاية له من الله تعالى ، لهذا كان دون الصلاة بدرجة ، فإنها قربة بواسطة البيت الذي ليس من أهل الاستحقاق بذاته ، وهذا قربة بواسطة الفقير الذي هو من أهل أن يكون مستحقا بنفسه لحاجته . ثم الصوم الذي هو من جنس المشروع شكرا لنعمة البدن ، ولكنه دون الصلاة من حيث إنه لا يشتمل على أعمال متفرقة على أعضاء البدن ، بل يتأدى بركن واحد وهو الكف عن اقتضاء الشهوتين : شهوة البطن وشهوة الفرج ، فإنما صارت قربة بواسطة النفس المحتاجة إلى نيل اللذات والشهوات ، فهي أمارة بالسوء كما وصفها الله تعالى به ، ففي قهرها بالكف عن اقتضاء شهواتها لابتغاء مرضاة الله تعالى معنى القربة ، وبالتأمل في هذه الوسيلة يتبين أنه دون ما سبق . ثم الحج الذي هو زيارة البيت المعظم ، وعبادة بطريق الهجرة يشتمل على أركان تختص بأوقات وأمكنة ، وفيها معنى القربة باعتبار معنى التعظيم لتلك الأوقات والأمكنة . فأما العمرة فإنها سنة قوية باعتبار أن أركانها من جنس أركان الحج ، وما بينا من الوسيلة لا يوجب عددا من القربة ولهذا لا تتكرر فرضية