السرخسي
290
أصول السرخسي
فأما حقوق الله خالصة فهي أنواع ثمانية : عبادات محضة ، وعقوبات محضة ، وعقوبة قاصرة ، ودائرة بين العبادة والعقوبة ، وعبادة فيها معنى المؤنة ، ومؤنة فيها معنى العبادة ، ومؤنة فيها معنى العقوبة ، وما يكون قائما بنفسه وهي على ثلاثة أوجه : ما يكون منه أصلا ، وما يكون زائدا على الأصل ، وما يكون ملحقا به . فأما العبادات المحضة فرأسها الايمان بالله تعالى ، والأصل فيه التصديق بالقلب ، فإنه لا يسقط بعذر ما من إكراه أو غيره ، وتبديله بغيره يوجب الكفر على كل حال ، والاقرار باللسان ركن فيه مع التصديق بالقلب في أحكام الدنيا والآخرة جميعا ، وقد يصير الاقرار أصلا في أحكام الدنيا بمنزلة التصديق ، حتى إذا أكره على الاسلام فأسلم باللسان فهو مسلم في أحكام الدنيا لوجود ركن الاقرار ، وقيام السيف على رأسه دليل على أنه غير مصدق بالقلب ، ولهذا لا يحكم بالردة إذا أكره المرء عليها ، لان التكلم باللسان هناك دليل محض على ما في الضمير من غير أن يجعل أصلا بنفسه ، والاقرار باللسان وإن كان دليلا على التصديق فعند الاكراه يجعل أصلا بنفسه يثبت به الايمان في أحكام الدنيا بمنزلة التصديق ، ويستوي إن أكره الحربي على ذلك أو الذمي عندنا لهذا المعنى . وعند الشافعي متى كان الاكراه بحق بأن كان المكره حربيا لا أمان له كذلك الجواب ، ومتى كان بغير حق بأن أكره الذمي عليه فإنه لا يصير مسلما به . ثم الصلاة بعد الايمان من أقوى الأركان ، فإنها عماد الدين ما خلت عنها شريعة المرسلين . وهي تشمل الخدمة بظاهر البدن وباطنه ، ولكنها صارت قربة بواسطة البيت الذي عظمه الله وأمرنا بتعظيمه لاضافته إلى نفسه فقال : * ( أن طهرا بيتي للطائفين ) * الآية ، حتى لا تتأدى هذه القربة إلا باستقبال القبلة في حالة الامكان ، وفي ذلك من معنى التعظيم ما أشار الله تعالى إليه في قوله : * ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) * ليعلم به أن المطلوب