السرخسي
283
أصول السرخسي
في عللهم فيها ليتبين لك أن أكثر ما يعللون به في المسائل بهذا الطريق فاسد إذا تأملت فيه ، وأن أعدل الطرق في تصحيح العلة ما كان عليه السلف من اعتبار التأثير . فصل : المناقضة قد بينا تفسير النقض وحده فيما مضى ، وهذا الفصل لبيان الدفع بالمناقضة يلجئ أصحاب الطرد إلى الاحتجاج بالتأثير . وبيانه فيما علل به الشافعي رحمه الله في اشتراط النية في الوضوء أن التيمم والوضوء طهارتان كيف يفترقان ، لان عند إطلاق إنكار التفرقة بينهما ينتقض بكل وجه يفترقان فيه من اشتراط أصل الفعل في التيمم دون الوضوء ، ومن اشتراط الأعضاء الأربعة في الوضوء دون التيمم ، ومن صفة كل واحد منهما ، وغير ذلك مما يفترقان فيه . فإن قال : عنيت إثبات التسوية بينهما في اشتراط النية خاصة بهذا الوصف ، قلنا : هو باطل بغسل النجاسة عن الثوب أو البدن فإنه طهارة ثم لا يشترط فيه النية ، فيضطر عند ذلك إلى الرجوع إلى التأثير ، وهو أن كل واحد منهما طهارة حكمية غير معقولة المعنى بل ثابتة شرعا بطريق التعبد ، إذ ليس على الأعضاء شئ يزول بهذه الطهارة والعبادة لا تتأدى بدون النية ، بخلاف غسل النجاسة فإنه معقول بما فيه من إزالة عين النجاسة عن الثوب أو البدن . ونحن نقول : الماء بطبعه مطهر كما أنه بطبعه مزيل فإنه خلق لذلك ، قال الله تعالى : * ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) * والطهور الطاهر بنفسه المطهر لغيره يعمل في التطهير من غير النية ، كالنار لما كانت محرقة بطبعها تعمل في الاحراق بغير النية ، ثم الحدث لا يختص بالأعضاء بل يثبت حكمه في جميع البدن كالجنابة والحيض والنفاس ، لأنه لو اختص بموضع كان أولى المواضع به مخرج الحدث ولا يثبت لزوم التطهير في ذلك الموضع ، فعرفنا أنه ثابت في جميع البدن إلا أن الشرع أقام غسل الأعضاء التي هي ظاهرة ، وهي بمنزلة الأمهات في تطهيرها بالماء ، مقام جميع البدن تيسيرا على العباد ، لان إقامة الغسل فيها تيسير على وجه