السرخسي
227
أصول السرخسي
تلحقه بما هو من نوعه بدليله . وإن قال : لا أعلم ذلك . قلنا : قد اعترفت بالجهل ، فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن تقصير منك في طلبه وذلك لا يكون حجة أصلا ، وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه ، ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين ، فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل . فصل ومن هذه الجملة الاحتجاج بالاطراد على صحة العلة إما وجودا أو وجودا وعدما ، فإنه احتجاج بلا دليل في الحقيقة ، ومن حيث الظاهر هو احتجاج بكثرة أداء الشهادة ، وقد بينا أن كثرة أداء الشهادة وتكرارها من الشاهد لا يكون دليل صحة شهادته . ثم الاطراد عبارة عن سلامة الوصف عن النقوض والعوارض ، والناظر وإن بالغ في الاجتهاد بالعرض على الأصول المعلومة عنده فالخصم لا يعجز من أن يقول عندي أصل آخر هو مناقض لهذا الوصف أو معارض ، فجهلك به لا يكون حجة لك علي ، فتبين من هذا الوجه أنه احتجاج بلا دليل ، ولكنه فوق ما تقدم في الاحتجاج به من حيث الظاهر ، لان من حيث الظاهر الوصف صالح ، ويحتمل أن يكون حجة للحكم إذا ظهر أثره عند التأمل ، ولكن لكونه في الحقيقة استدلالا على صحته بعدم النقوض والعوارض لم يصلح أن يكون حجة لاثبات الحكم . فإن قيل : أليس أن النصوص بعد ثبوتها يجب العمل بها ، واحتمال ورود الناسخ لا يمكن شبهة في الاحتجاج بها قبل أن يظهر الناسخ فكذلك ما تقدم ؟ قلنا : أما بعد وفاة رسول الله ( ص ) فلا احتمال للنسخ في كل نص كان حكمه ثابتا عند وفاته ، فأما في حال حياته فهكذا نقول : إن الاحتجاج به لاثبات الحكم ابتداء صحيح ، فأما لابقاء الحكم أو لنفي الناسخ لا يكون صحيحا ، لان احتمال بقاء الحكم واحتمال قيام دليل النسخ فيه كان بصفة واحدة ، وقد قررنا هذا في باب النسخ .